الاثنين، 23 فبراير، 2015

ساراماجو وبيلار







لم أقرأ لساراماجو من قبل، كانت مجرد صورة، جدارية (جرافيتي) على أحد بيوت البرتغال لساراماجو وزوجته بيلار، وقعت في غرامها منذ تلك اللحظة، للدرجة التي جعلتني أأخذ الصورة لأرسمها بالزيت لتدفىء أحد جدران بيتي، مالذي أسرني في صورتهما إلى هذا الحد؟، ما الذي جعل هذه الصورة تمثل أمنية أتمنى أن أحصل عليها، حتى وإن كانت مجرد خطوط لفنان ربما لا يعلم قصتهما ولا قصتي معهما؟

يقولون أن العين حساسة دائمًا لما تفتقده، وأنا أصدق هذه المقولة، فعيناي تلتقطان دومًا نظرة حب مسروقة لا يلحظها أحد، تلتقط لمسة تبدو عفوية ووحدي أعلم أنها ليست كذلك، وصورتهما بها كل تلك المعاني، صورة لوجه عجوز تعب يحتضن حبيبته بحنان الحبيب والأب والأبن ويغمض عينيه كأنه يود أن يقبض على ذلك الإحساس ولا يفلته، كنت أنظر إلى وجهه في الصورة وأنا أقول له:"ما الذي أحزنك إلى هذا الحد يا ساراماجو؟ ما كل هذا البؤس الذي يرتسم على ملامحك العجوز؟ وماذا فعلت بك هذه الجنية التي جعلتك تركن لوجهها وكأنك طفل يود الحماية؟"

كنت أسأل بيلار:"ماذا فعلتي بعجوزك الحزين؟ هل لملمتي ذرات حزنه المنثورة وأنت تترجمين كلامه؟ هل رأيتي الطفل اليتيم بداخله وبكيتي وأنت تقسمين أنك من سيصاحب حزنه ويحنو عليه؟ هل كنتي تنشدين أبًا وجدتيه في عيني ساراماجو الحزين؟

هذا العجوز الذي سألوه يومًا سؤالًا بسيطًا عن الكريسماس فقال بعفوية ماذا ينبغي على أن أقول يا بيلار؟ كيف حولتك بيلار إلى ذلك الطفل الذي يسأل أمه ماذا عليه أن يفعل؟

وأنت يا بيلار كيف وصلتي إلي قلبه وأخذتي طفله البائس وهدأتي من روعه؟ كيف لم تريه كاتبًا سودويًا كما كان يراه الجميع؟

لكى تعلموا معجزة هذه السيدة لابد أن تعرفوا أن أصعب الرجال في الحب هم الرجال الذين يكتبون، هم في الأغلب مخلوقات حساسة ولكنهم معقدون غاية التعقيد، فالرجل الذي يتخذ القلم مسارًا في الحياة هو رجل ميت في الواقع، رجل يتعلق بأهداب الحلم ليصنع عوالم لم يعشها ويود لو يومًا يعشها، هو رجل لن يسمح لإمرأة أن تحبه بعيدًا عن قلمه، عن جنونه، عن خياله الجامع، ويهفو لإمرأة تصاحب قلمه أولًا ثم تتسرب بعدها إلى قلبه، وبيلار مترجمة كتبه فعلتها، فهي لم تكن تترجم كلمات مقابل كلمات، كانت تقرأ الروح التي تنز بكل هذا الآلم والخوف، تسللت له جنيته من بين حروفه، لعلكم لا تعلمون أن أعظم غزل يمكن أن يقدم لكاتب هو أن تعيد قراءة ما كتب وانت ممسكًا بمعانيه الخفية التي سربتها روحه للورق.


فعلتها بيلار لأنها رأت ما لم يراه الآخرون في ساراماجو، أتعلم يا صديقي متي نرى مالا يراه الآخرون في شىء ما.. في شخص ما؟ نفعلها فقط حينما نحب.

هناك 3 تعليقات:

  1. الله
    :)
    منتهى الجمال

    ردحذف
  2. الله الله الله
    ربنا يسعد قلبك :)

    ردحذف
  3. السلام عليكم،

    قصة ملهمة فعلا

    شكرا لك :)

    ردحذف