الاثنين، 7 يوليو، 2014

"Instinct"



"أنطونى هوبكنز"، أى فيلم من بطولة هذا الممثل العملاق، لابد وأن تجد نفسك تنسب الفيلم إليه مهما شاركه عباقرة التمثيل، فهو بحق ممثل يرقى لمستوى الأسطورة، والفيلم التالى الذى سأتحدث عنه هو "Instinct" ، أو "غريزة"، الفيلم يشاركه فيه الممثل المتميز كوبا جودينغ جونيور، وهو من إنتاج عام 1999.


وعلى حين نجد أن معظم الأفلام تتحرك من فرضية ما لإثباتها أو نفيها، نجد هذا الفيلم يتحرك من تساؤل غريب، أيهما أكثر وحشية الإنسان أم الحيوان؟؟!!


وتدور الأحداث حول "إيثان بويل" الذى قام بدوره هوبكنـز، أستاذ السلوك الحيواني والذي عاش لمدة سنتين مع عائلة من الغوريلات في إحدى الغابات بأفريقيا، فتغيرت شخصيته كلياً وعاد مجنوناً ومتهماً بقتل إثنان من الصيادين الأفارقة، فوضع في زنزانة انفرادية لمدة سنة ثم نقل إلى سجن في الولايات المتحدة.


وهذا الاستاذ الذي كانت صلاته بعائلته باردة كانت علاقته بالغوريلات غاية فى الدفء والحميمية !
فنجده وقد تخلى عن مكانته العلمية وموقعه الاجتماعي وما يسمى بالمجتمع المتحضر ليعيش وحيداً مع الحيوانات في "رواندا".


ووسط هذه الأجواء يكلّف الطبيب النفسي الشاب " ثيو كيلدر" والذى قام بدوره الممثل" كوبا جوودنغ" بتقييم القوى العقلية لبويل، و كان هاجسه الأساسي هو ما الذي يجعل إنساناً ناضجاً وذا اختصاص علمي رصين لأن يصبح قاتلاً عنيفاً؟ وعبر الحوار الذي جعله المخرج "جون تورتلتو" شبيهاً بلعبة شطرنج بين خصمين شديدى الذكاء أى بويل والطبيب النفسي سنعرف الكثير عن غرائز النفس البشرية، وطبيعتها بل وأوهامها ايضاً، ولعل من أعلى المشاهد فى هذا الشأن مشهد بويل والطبيب حول وهم الإنسان بإمكانية السيطرة على كل شىء، فقد بدأ المشهد بشكل تصاعدى متدرجاً من بعض التساؤلات من بويل للطبيب، تساؤلات فى ظاهرها بدت بديهية وحمقاء للطبيب عن الإنسان وإمكانياته، إلى أن يصل المشهد لذروته حينما يضعه بويل أمام حقيقة أننا مهوسون بالسيطرة على كل شىء...


ومن المشاهد المميزة أيضاً مشهد "بويل" والطبيب حينما أخذه لرؤية حيوان تم صيده من الغابة ويعانى الإكتئاب، حيث نجد "بويل" يفتح له القفص أمام رعب الطبيب الذى ظن أنه مختل لقيامه بذلك، إلا أنه قال له جملة رائعة " هو لن يخرج من قفصه، حتى وإن كان يستطيع، لقد إستسلم للأسر، لقد أصبحت الحرية مجرد حلم بالنسبة له".


تتجلى عبقرية الإخراج فى مشاهد بعينها، مثل مشهد هوبكنز حينما قتل الصيادين، فى هذا المشهد نجد أن المخرج أدار حواراً بالعيون بين هوبكنز وبين الغوريلا، بشكل أقل ما يوصف به بأنه "عبقرى" ، حيث نجد الصيادين وقد تتبعوا " بويل" لمعرفة مكان الغوريلات، وبالفعل يصلون إليهم من خلاله، فيقتلوهم أمام عينيه وهنا تنظر له الغوريلا الأم بنظرة خائرة لا يحتملها " بويل " فقد شعر أنه خذلهم، وحطمه هذا الشعور القاتل، مما جعله ينقلب لوحش كاسر وأخرج كل ما بداخله من عنف أدى إلى قتل الصيادين بطريقة وحشية، وهنا تتجلى حقيقة طالما كنت أؤمن بها وهى أن الخذلان يمكن أن يولد داخل الإنسان طاقات لا قبل له بها من العنف، وهذا مالم يفهمه كل من حول " بويل" وأكتفوا بالخوف منه وتصنيفه على أنه من القتلة شديدى الخطورة..


ونجد تأكيد المؤلف على هذه الفكرة فى أجزاء عديدة بالفيلم فنجد " بويل" هادىء معظم الوقت ولكن عند أى قسوة أو عنف ينقلب لوحش كاسر، ففى السجن لم يكن يثيره غير قسوة وسادية الحراس تجاه السجناء، ونجد الفيلم فى أجزائه المختلفة يرمى إلى أن الإنسان يمكن أن يكون أكثر وحشية من الحيوان، خاصة وإن كان دافعه وهوسه هو السيطرة على كل ما حوله...

إن اعتقدت أن هذا فقط ما يمكنك أن تخرج به من هذا الفيلم، فهذا ليس صحيحاً، لان الفيلم به رؤى وزاويا أخرى للفكر، إنه ببساطة فيلم يجعلك تفكر فى أشياء كثيرة وهامة ولكن دون المساس بالقدرة على إمتاعك بجمالياته الكثيرة من تصوير لأداء تمثيلى لإخراج، إنه بحق فيلم جدير بالمشاهدة.

من المقولات المميزة بالفيلم:

بويل: كنت محقاً، الحرية ليست حلماً، الحرية تقطن هناك خلف تلك الأسوار التى لففنا بها أنفسنا.


الشىء الوحيد الذى ينبغى علينا أن نتخلى عنه هو وهم السيطرة على الكون، فنحن لا نملكه، فنحن لسنا بملوك أو آلهة ولكن هل يمكننا ذلك؟ فالسيطرة شىء أثير لدينا كما أنه من المغرى جداً ان تكون إله !



بويل: كما ترى، هو لن يفارق قفصه، حتى وإن كان يستطيع، لقد إستسلم للأسر وأضحت الحرية شىء حلم به فقط.

هناك تعليقان (2):

  1. لم يسعفني الحظ ان اشاهد على الفيلم كاملا ..مررت عليه مرتين ولكني للاسف كنت اشاهد منه فقط مقتطفات
    اختيار رائع يابنت علي
    وبالفعل سنشهد العديد من الرسائل العبقرية تخرج من الفيلم
    ولكن ..
    انا تحديدا استوقفتني فكرة السيطرة

    " الشىء الوحيد الذى ينبغى علينا أن نتخلى عنه هو وهم السيطرة على الكون، فنحن لا نملكه، فنحن لسنا بملوك أو آلهة ولكن هل يمكننا ذلك؟ فالسيطرة شىء أثير لدينا كما أنه من المغرى جداً ان نكون آلهة !"

    حقيقة لا نملك التخلي عن فعل السيطرة
    فهذا الفعل تحديدا يشعرك بالحرية
    فها انتَ اخيرا حر في مكان ما آخر
    ها انتَ تشعر بأن صوتك وكيانك له ثِقَل ومعنى مختلف ..غير الذي تعانية ممن ممن هم اقوى منك ..
    وهذا مايشعرك بالفخر
    فكيف لا تحب فعل السيطرة..
    كيف لا تتمادى ..لتتحول وحشا كاسرا.. كيف لا تأمل ان تصبح الهه ..يتعبد في محرابك البشر ..وانت تنظر من علياء

    مرة اخرى اختيار موفق ياوفاء
    والمرة ده لازم لازم اشوف الفيلم فعلا

    تحياتي ياصديقتي..

    ردحذف
  2. شيرى..

    لازم تشوفى الفيلم مرة تانية بتركيز، لانه يستحق الحقيقة..

    فكرة السيطرة فعلاً فكرة معقدة جداً ومغرية جداً جداً، لان فكرة التحرر من السيطرةممكن تمثل حالة تمرد طيفية، لكن السيطرةحالة شديدة التعقيد لانها بتديكى نوع من أنواع القوة المطمئنة لنفس دائماً ما ترتعب من المجهول..

    ردحذف