الثلاثاء، 7 يناير 2014

يوميات فتاة مكابرة (13)


"بالأمس حلمت بها"

     رأتها وهي جالسة فى مقهاها البعيد وحدها، ربتتْ بيدها على كتفها قائلة: "مرحبًأ !، أمازالتِ تجلسين وحدك تراقبين الغرباء وهم يذهبون ويجيئون"، اندهشت من جرأتها ومعرفتها بما تفعله، وقبل أن تسألها من أنتِ؟، وجدتها تسحب المقعد المقابل لها، وتطلب من النادل قهوة أمريكية.

"الحقيقة أنا لا أتذكرك، ولكن يبدو وجهك مألوفًا لي"، ابتسمت وباغتتها بالقول:"وماذا عن صورتي التي تضعينها على مكتبك؟ وماذا عن جملتي التي نقشتها على مدونتك"أكتب لأتداوى"؟ بمناسبة جملتى، لماذا محوتها مؤخرًا؟ هل لم تعد الكتابة تداويكِ؟"

صرخت المكابرة فى وجهها :"إيزابيل!!، إيزابيل الليندي! أحقًا أنتِ أنا لا أصدق !، كيف عرفتنى؟ وكيف جئتي إلى هنا؟ وكيف عرفتي أني أحبك كل هذا الحب؟ بل كيف أتيتي إلى مصر."
رشفتْ رشفة من قهوتها قائلة: "دعكِ من كل هذا وأجبيني، لماذا توقفتي عن الكتابة؟ ولماذا محوتي جملتي من مدونتك؟"
نظرت لأسفل، أنت تعرفين يا إيزابيل أني لم أحب الكتابة يومًا، ولم أحلم بالكتابة في أية لحظة، في البدء كانت طبيبًا يخرج كل ما بي من أوجاع، أما الآن، فقد أضحت وجعًا مضافًا إلى وجع لا يزول، الكتابة تصدمني بكم ما أحمله من حزن وتعاسة، الكتابة تعريني وتخرج لي لسانها قائلة كشفتك أيتها المكابرة، ها أنت هشة وضعيفة بدون أقنعتك الكاذبة، لذلك أكرهها، ولا أود مصاحبتها.

"وهل في تركها نجاتك؟" سألتها وهى مازالت هادئة ترتشف قهوتها بنفس الهدوء، نطرت لها المكابرة وهي حائرة، فأردفت أعني هل أصبحتي اكثر سعادة بترك الكتابة؟ هل صنعتي حلة المحشي لأطفالٍ من رحمك – كما كنت  ترددين دومًا- ؟
صمتت المكابرة بحزن وأجابت:"لا"
إذن، فيما تمضي حياتك؟ وكيف تتخيلنها بعد عشرة أعوام؟
الحق أني لا أعرف.
تعرفين..
لقد بدأت الكتابة وأنا فى الأربعين من عمري، ذلك السن الذي كانت تستعد فيه نساء جيلي لمقابلة آخرتهن، أو على أفضل تقدير يحضرن أنفسهن لرتق جوارب أحفادهن، بدأت في كتابة رسالة لجدي ، وإذ بالرسالة تتحول إلى رواية  لم أسعى لها، بل لم يكن تخيل  ذلك، وإذ بالرواية التى سأجعل اسمها ( بيت الأرواح ) تهز أوساط أمريكا اللاتينية وقيل إنها تنبىء عن كاتبة سيكون لها شأن عظيم!

لن أنكر أن ذلك قد هزني بشدة وأخافني بشكلٍ أكثر شدة، ولكني لم أناطح ولم أتمرد، أتعرفين لماذا؟
هزت المكابرة رأسها متسألة لماذا؟
لاني لم أكن مثلك، أُحَمِل الكتابة أوزار تعاستي وأدخل معها في حرب وهمية من صنعي، الكتابة ليست مسؤولة عن تعاستنا أيتها المكابرة، الكتابة هي التعويض العادل لتعاستنا، هي الفسيفساء الرائعة التي تحمل جروح صانعها لتخلق جمالًا  يهون معه كل حزن وكل جرح، الكتابة أيضًا قدر، واستمعي لهذه النقطة تحديدًا بوعي كامل، هل سمعتي عن أولئك البشر الذين يعاندون أقدارهم؟
أجابت المكابرة:"نعم"
كيف كانت مصائرهم؟
"الشتات" أجابت المكابرة بإستسلام غريب
بالظبط هو الشتات، أتطمحين  إلى مزيد من الشتات؟
أجابت المكابرة:"بالطبع لا"
ولكن أنا لا أملك تلك القدرة على الكتابة المتواصلة والكثيرة؟
ومن قال لكِ أن الكتابة بالكم؟ كنت ومازالت أعرف كُتابًا يكتبون كتابًا كل عام، ومع ذلك لا تعدو كتابتهم مناشف الحمام، بل لعل مناشف الحمام تعلوها قيمة.
اسمعي ذلك جيدًا
"الكتابة ربة متوجة وهي من تختار مريديها، وليس العكس، اعتقد أنك سمعتي عن أولئك الثلة من البشر الذين يتكلمون عن شغفهم بالكتابة وبدأهم الكتابة منذ كانوا أطفالًا، معظم هؤلاء الكتاب، لا تصلح كتاباتهم إلا لتزيين مكتبة حمقى يضعون مكتبة في بيوتهم كقطعة ديكور فارغة، أما الكتابة التي تصمد فهي الكتابة التي تنقش بوجع الحقيقة المدفوع مقدمًا من حياة كاتبها."

 أنهت عبارتها تلك وأختفت بشكل مفاجيء، وظلت المكابرة تفتش عنها فى كافة أركان المقهى حتى أنها خرجت تناديها صائحة ..إيزابيل... إيزابيل.
***

عندما استيقظت المكابرة من نومها وهى تردد إيزابيل ولم تجدها، أخذت حاسوبها ودونت ما دار بينهما.

هناك 5 تعليقات:

  1. صدقتي ياعزيزتي
    فالكتابة ربة مزعجة, مُؤرقة , تجثم علي ارواحهم, تكبلهم , حتي اتموا ما ارادت , وقضت مرأبها منهم, تركتهم مهلهلين لحين الي ان تشتهيهم مرة اخري
    P.S
    عجبوني الثلة من البشر الي بيكتبوا في التدبير المنزلي دول :)

    ردحذف
  2. مأربها *
    :)
    بنتعلم املا معلش :D

    ردحذف
  3. صحيح يا وفاء الكتابة ليست مسؤولة عن تعاستنا
    رائع الموضوع ومبهر السرد يا صديقتي الجميلة

    ردحذف
  4. الليندى واحدة من ربات الكتابة .. لأنها بالأساس تكتب نفسها بعيدًا عن نفاق المجتمع أو المكابرة مع ذاتها وتحدى جروحها .. ولعل نصك هذا يفتح لك بابًا من أبواب تامل الذات لكى نفوز بكاتبة متحدية لا بكاتبة مكابرة

    ردحذف
  5. لمسني النص بشكل خاص
    احيانا كثيرة احمل الكتابة تعاستي وانظر لها على انها تدوينا لوجعي وتاكيدا عليه فاهجرها حتى لا افضح نفسي امامها ولا اؤكد وجعي وكانني بهذا اتناساه ولكني اوقن انني حينها اهجر ذاتي وافقد روحي واظل في هذا الشتات الى ان اعود لها مرة اخرى او تعود هي لي ان صح القول
    دمتي بكل الخير:)

    ردحذف