الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

يوميات فتاة مكابرة (9)




 موعـد مـع غـريب



طلب منها أن تكتب له ، وأومأت بالموافقة، الحق أنها لم تكن تعنيها، هي أومأت تأدبًا، وهو كان نبيلًا جدًا فلم تشأ أن تجرحه، هي وضعته فى قالب الغريب، لأنه كان كذلك، وهي لم تكن تريد أكثر من ذلك.

أرادت غريبًا تبوح له قليلًا، وأمتلك أدوات الغريب المثالي، جمعتهما تلك الصدفة التي يمكن أن تصنع لقاءًا عابرًا لغرباء يحتسون الشاى سويًا ثم يرحل كل منهما لطريقه.

قابلته في حفل موسيقي في ميدان تلك المدينة البعيدة عن وطنها، كانت وحدها ، وكانت تتمايل وتدب بقدميها على الأرض مع أنغام الجاز الطازجة، لعله ابتسم لها ولكنها لم تلحظ، لم تلحظه الا وهي تتسكع في الميدان الواسع بعد انتهاء الحفل مع انتصاف الليل، كانت تمشي متمهلة وهى تدخن سيجارتها بنشوة غريبة، فهي لا تريد لتلك الليلة أن تنتهي، ولا تود أن تتمدد في سريرها من الآن - تلك التي تنام عند العاشرة في وطنها لا تنام ابدًا في ذلك البلد البعيد، وكأنها تنتقم لكل أيام التعاسة التي أنامتها كل ليلة فى العاشرة حزنًا وقهرًا –  ترجلت في الميدان الواسع وهي تدندن وتدخن وتلف حول نفسها راقصة، وإذ به يخاطبها بإنجليزية متوسطة:"عذرًا سيدتي.. ولكن أرجو أن تنتبهي لنفسك صحيح أن البلد آمن ولكن هذا لا يمنع من الحذر".

انتبهت لوجوده وشكرته، واذ به يعتذر عن تطفله ويشرح تخوفه عليها منذ أن رآها في الحفل الموسيقى، وأضاف معتذرًا :" سيدتي ..لقد تصورتك مخمورة في بادىء الأمر فأنت كنتِ تترنحين مع الموسيقى باستغراق كامل"، ضحكت من تعبيره وسرحت لوهلة في ذلك الحزن الذي يوهمك من شدته وقسوته بأنك قد مت تمامًا الي أن تاتي لحظة حياة حقيقية – كتلك الحفلة الموسيقية – لتكتشف بأن الحياة تملأك ولكنها تتفجر مع أول إشعاعات البهجة.

النبل في عينيه أزال التوجس والتحفظ سريعًا منها، لذا حينما دعاها لإحتساء الشاى بأحد المقاهي المنتشرة بالميدان وافقت شارطة أن تدفع هي الحساب – أدركت منذ زمن بعيد أن دفع المرأة لحسابها يجنبها التورط في توقعات أحادية الجانب – ووافق الرجل الستينى الأنيق، وبدأ حوارًا دافئًا عن بلديهما وثقافتهما ولكنه لاحظ شرودها مع موسيقى الكمان المنبعثة من المقهى المجاور، فعلق :"يبدو أن السيدة تحب الموسيقى جدًا"، أجابت " إنها آلته المفضلة التي تمنى دومًا العزف عليها"، ابتسم ونظر لها  "يبدو أنك تتكلمين عن حبيبك؟" أجابت مقاطعة :"بل من كان"، ارتشف رشفة سريعة من شايه وقال:"حزينة لأنه ليس معك؟" أجابت :"بل سعيدة جدًا ! "، نظر لها مندهشًا ومتسائلًا لماذا؟" اسندت ظهرها على كرسيها وآخذت نفسًا عميقًا من سيجارتها وقالت:"لأن كل ما يحبه هنا، الجمال والهدوء والنظافة، والفن"، ووحدي أستمتع بذلك، أما هو فتناسبه وساخات وطننا الذي ما عدت أطيق الحياة فيه.

نظر لها نظرة حانية وقال:"ولكنك لا تستمتعين يا ابنتي"، اربكتها كلمة ابنتى تلك، فهو غريب وينبغي أن يلتزم بالنطاق الذي سمحت له به، ولكنها لم تتوقف عند كلمته وتجاوزتها معقبة في عصبية :"كيف ذلك؟"، قال :"كيف ستستمتعين  بشىء وأنت لا ترينه، انت لا ترين غير عيونه، فشهوة الإنتقام تعميكِي عن كل شىء، ضحكت ساخرة وهي تزفر بدخان سيجارتها في الجانب الآخر وتحدث نفسها بصوت خفيض:"تبًا لكل رجال الأرض.. غرورهم يجعلهم يظنون أنهم مركز الكون ومداره".

لاحظ ظهور تجاعيد العصبية على وجهها فاعتذر عن تجاوزه، فهبت واقفة تشكره على ذلك اللقاء، غير أنه بالغ فى الإعتذار بطريقة أخجلتها وجعلتها تجلس مرة آخرى.

أخذت سيجارة جديدة ونظرت فى الجانب الآخر غير ناظرة لوجهه وقالت :" ربما يكون معك بعض الحق أيها السيد، فأنا أود الإنتقام منه لأخر نفس من عمري.. فقد آذاني بشكل غادر ودنيء، أنا لا أحن له كحبيب أشتاقه، أنا أتوق لرؤية تعاسته وقهره كما أرينيهما"، نظر اليها مترددًا ثم قال:"لا أريد إزعاجك يا صغيرتي .. ولكن احذري شهوة الإنتقام تلك فبإمكانها أن تُفقدنا إنسانيتنا، ويمكن أن تصيبنا بسعار الدموع، اتعرفين ما هو سعار الدموع هذا؟" حركت رأسها نافية ، فأردف:"بعد كثير من الأذى الذي قد يصيبنا من الآخرين، وبعد زمن طويل من الإحتمال، قد يتحول الإنسان لوحشًا انتقامًا لمَ قد عاناه من قسوة وخذلان، إذا حدث له هذا التحول لن تشبعه غير الدموع سواء دموع من ظلموه أو دموع من قرر ظلمهم".

ثرثرتهما تزايدات وتزايدت معها مصارحات وضحكات ودموع تخللتها أكوابا كثيرة من الشاى، ثم اكتشفت أنها الرابعة فجرًا، فتركته مسرعة على وعد بالتواصل لتعد حقيبتها فقد تبقى على موعد مغادرتها ساعتين، وهي في طريقها لميناء السفر بعثت لصديقتها رسالة قصيرة تقول فيها "عائدة لغربة الوطن !"