الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

حوار الكراهية (عنوان يبدو مبتذل لكنه حقيقي)





يحدث الإبتذال عند اول استخدام كاذب لقضية حقيقية، وهذا ما جعلني ألجأ للعنوان السابق، فمصر الآن تعج بكل خطابات الكراهية المتبادلة ولا من مهتم بهذه الكارثة، في البداية لا تعتقد أني سأحملك عبء قراءة خطاب إنشائي، كل ما في الأمر أني سافكر معك بصوتٍ عال عن ما يقلقني .

كلنا كمصريين الآن نرى ونسمع ونعايش كل خطابات الكراهية المتبادلة، كلٌ لما يناصره، فإن كنت من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين سترى أن مجتمعك تحول لوحشٍ كاسر يفتك بك وبمعتقدك وباختياراتك، وإن كنت من مناصري الجيش وسياسته فالبتأكيد ستنضم لجوقة الفتك بأعداء الوطن (الإخوان المسلمين ومناصريهم) وتناسينا جميعًا أن هذا لن يؤدي إلا لمزيد من الكوارث التي إن إجتاحتنا لن تفرق بين مؤيد لإخوان أو مناصر للجيش.

يقولون دائمًا أن قارىء التاريخ هو أكثر الناس هدوءًا وتعقلًا، تعرف لماذا؟
لإن قراءة التاريخ تخلق لديك الوعي بأهمية الظرف التاريخي، وتولد لديك القدرة على توقع تبعاته، ولكني أعترف أن قراءاتي للتاريخ لم تخلق مني هذا الكائن بقدر ما جعلتني أموت قلقًا على ما سيأتي وما ينتظرنا إن استمر هذا الخطاب بشدته ووتطرفه، وإليك أسبابي:

سأتكلم معك عن مثال واحد ولكنه بحاجة منك لكثير من التأمل والتفكير،حينما تقرأ عن جماعة إسلامية خطيرة مثل جماعة التكفير والهجرة، تجد أن هذه الجماعة نشأت فى الأصل في سجون مصر في فترة الستينات بعد إعدام سيد قطب والكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ونشأت هذه الجماعة من أثر التعذيب والتنكيل الذي لاقوه في سجون عبدالناصر في فترة الستينات، وهم يبنون فكرهم على أساسين هما التكفير: فهم يكفرون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم. أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين.وكل من أخذ بأقوال الأئمة أو بالإجماع حتى ولو كان إجماع الصحابة أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر. 

والأساس الثاني هو الهجرة: والهجرة في فكر الجماعة يقصد بها العزلة عن المجتمع الجاهلي وعندهم أن كل المجتمعات الحالية مجتمعات جاهلية. والعزلة المعنية عندهم عزلة مكانية وعزلة شعورية بحيث تعيش الجماعة في بيئة تتحقق فيها الحياة الإسلامية الحقيقة ـ برأيهم ـ كما عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الفترة المكية. ويجب على المسلمين في هذه المرحلة الحالية من عهد الاستضعاف الإسلامي أن يمارسوا المفاصلة الشعورية لتقوية ولائهم للإسلام من خلال جماعة المسلمين ـ التكفير والهجرة ـ وفي الوقت ذاته عليهم أن يكفوا عن الجهاد حتى تكتسب القوة الكافية. ولا قيمة عندهم للتاريخ الإسلامي لأن التاريخ هو أحسن القصص الوارد في القرآن الكريم فقط.

تأمل هذا الفكر جيدًا وفكر، هل هذا فكر ديني سوى؟ هل هذا فكر ديني يمكن أن يؤدي لأى نهضة؟

الإجابة هي لا نافية لكل ما سبق، فكل ما سبق يمكن التعامل معه على أنه مرض، مرض نشأ نتيجة التمييز والبطش والتنكيل بالخصوم، ولكن هل تعلمنا من الدرس؟ هل تداركنا تلك الكارثة التي كبدتنا سنوات وسنوات من الإرهاب والدم؟

للأسف لم ندرك أى شىء وكأن التاريخ يعيد نفسه بنفس الغباء والحماقة.
الذين يتكلمون عن الإخوان المسلمين الإرهابيين القتلة، أسالهم فقط، إن كانوا كذلك فهل يغسل الجيش أكثر بياضًا؟ لن أدخل معك فى جدل عقيم عن كذب معظم تصريحات الجيش وإيماني الشديد بإفتعاله لبعض المعارك والمجازر ليبرر بطشه، سأحدثك فقط عن خصوم سياسيين أمامك طريقتان للتعامل معهم، الطريقة الأولى هى طريقة الفتك والبطش والتنكيل بهم، وهنا لن اقول لك القيم الإنسانية وحق الآخر فى الإختلاف، بل على العكس سأتعامل معك ببراجماتية بحتة، هذه الطريقة تبدو سهلة ومسلية ومناسبة لحواديت المساء حول طاولة الطعام عن الإخوان الأشرار والجيش الطيب، ولكن أحترس، فنتائج مثل خروج جماعة كجماعة التكفير والهجرة بكوارثها لن تكون النتاج الوحيد الأسوء لمثل هذه الطريقة.

وأمامك طريقة آخرى وهى طريقة التعامل مع خصم سياسي لا تؤيده وتود إضعافه، وهذا كان قد حدث بالفعل حتى ما قبل تفويض يوليو اللعين، الذي أضفى السحائب الملائكية على جماعة هى الأكثر إنتهازية فى تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة.

الفرصة لم ترحل بشكل نهائي، فقط كل ما أنت مطالب به أن لا تجعل عقلك دورقًا لتلقي نفايات الإعلام البغيضة، فكر فى مشكلة مصر الآن على أنها مشكلتك الشخصية التي ينبغي أن تنجو منها حتى لو تعارضت مع مشاعرك الإنتقامية التي نماها إعلام الحثالة الذي نعايشه، وفكر وحاول إيجاد طريقة في كيفية الحوار بينك وبين قريبك أو صديقك المخالف لك فى الرأى والمنهج بطريقة لا تنتهي بالتشابك اللفظي أو المعنوي وقتها فقط نكون قد وصلنا ل90% من حل هذه الكارثة.

هناك تعليقان (2):

  1. كل سنة وحضرتك طيبة وبألف خير وصحة وسعادة ورضا وراحة بال وسلام وإن شاء الله يكون عام جديد سعيد عليكي وعلى أسرتك الكريمة وتحققين فيه كل ما تتمنين
    :)

    أطيب تحياتي

    ردحذف
  2. ميرسي لذوقك بجد، وكل سنة وانت وكل اللى بتحبهم بكل الخير والصحة

    ردحذف