الاثنين، 25 نوفمبر 2013

يوميات فتاة مكابرة (12)




حوار مع الجدة

 


تعرف أن جدتها بالبيت حينما تنبعث روائح البهجة في كل ركنٍ من أركانه، فحينما دخلت البيت وتسربت لها رائحة المسك المنبعث من المبخرة عرفت أنها هنا، ووجدتها تغني كصبية في الخامسة عشر من عمرها على طاولة المطبخ، تعرف أن سمعها ونظرها قد تأثرا بعوامل الزمن الذي قال عنه محفوظ "أنه عدوًا للزهور"، جدتها تلك الزهرة الفواحة، التي تعج بالحياة رغم عقدها الثامن تضفى الألوان على كل مكان تحل به، تلصصت عليها وهي تغني أغاني الأفراح القديمة إحتفالًا بخطوبة أصغر حفيداتها، كانت تريد أن تكحل عيناها برؤيتها قبل أن تسلم عليها، وكانت تبتسم في صمت وهي تسمعها وتراها وهي تغني أغاني الافراح الريفية المتهتكة المليئة بكل الإيحاءات الحسية، ولكن تفلت ضحكة مفاجأة منها إثر تمايل جدتها بغنج بنات العشرين كشفها، ونبه جدتها لوجودها، فغمرتها بحضن قوي وقبلت رأسها ويديها قائلة: "وحشتيني".

الجدة: وانت يا بنت بنتي مش ناوية تحصلي بنت خالك؟
المكابرة: ان شاء الله يا ستي.. كله بأوانه.
الجدة: وأوانه امتى يا نور عيني؟
المكابرة مبتسمة: لما الاقي واحد زي  جدو أحمد.
الجدة: يا ختي.. جدو أحمد ده كان جوزي التالت، يعني اتجوزت واحد واتنين والتالت، وحتى التالت يا بت مكانش يعني احسن راجل في الدنيا.
المكابرة بإندهاش: بس انتِ كنتِ سعيدة معاه يا ستي.
الجدة: وأنا قلت لأ: أنا بقولك أنه مكانش الراجل اللى ممكن تتكلموا عنه فى الروايات يعني، يعني كان راجل شديد، وشحيح، واقولك على سر: مكانش أحسن راجل اتجوزته،لكن نقول ايه عالنصيب..الحمد لله.
المكابرة: بس أنا عمري ما شوفتك تعيسة معاه يا ستي.
الجدة: عشان انا مابحبش النكد بس، لكن الحقيقة، كنت بشوف فيه اللى يخليني احب الدنيا معاه، مش قاعدة زيك مستنية الراجل اللى ما جاش ولا هيجي زيه.
المكابرة: بدأتي تتكلمي زي أمي يا ستي.
الجدة: أبدًا يا عبيطة، أنا بس مش عايزاكي تضيعي عمرك مستنية حاجة مش موجودة، طب اقولك على حاجة ابيجة؟ الجدة تتلفت يمينًا ويسارًا متسائلة:"الأول أمك حوالينا ولا اتكلم براحتي؟"
المكابرة ضاحكة: لا، أطمني هي راحت تصلي.
الجدة: كويس، بصي يا بنت بنتي، أنا لما كان جدك احمد يزعلني بشدته معايا، كنت اقعد اعيط وأقول مش هاعيش مع الراجل ده تاني، لكن ساعة لما كان يصالحني والاقيه بقى عيل قدامي وياخدني فى صدره وهو بيبوس ايدي وراسي عشان ما ازعلش، كنت بحس انه احسن راجل فى الدنيا، – وخفضت الجدة من صوتها مقتربة من حفيدتها -  كمان يا بت جدك أحمد كان فرس في السرير، كان بيخليني أوحوح تحتيه، وهنا انفجرا سويًا في ضحك هيستيري قاطعته الأم بصرامتها المعتادة قائلة: "بتضحكي على إيه يا ولية يا شايبة، تلاقيكي بتقوللها نكتة من نكتك الأبيحة"
الجدة والمكابرة انفجرا في الضحك مرة أخرى من تعليق الأم العابر.
أعدت المكابرة كوبان من الشاي واعطت لجدتها كوبها قائلة: "يعني انت عايزاني اتجوز واحد يا ستي عشان بيظبطني في السرير؟"
الجدة: يا بت متبقيش حمارة، هو انا قلت كدة، أنا بقولك بس تفكري بشكل تاني في الراجل اللى عايزة تتجوزيه، وبلاش كلامكم الخايب بتاع الأفلام ده اللى مش موجود فى الواقع – دفعت الجدة حفيدتها من كتفها – قائلة:"وبعدين هو السرير ده حاجة بسيطة يا مايلة، ده كله بيبدأ وينتهي فيه" اتبعت عبارتها تلك بضحكة رقيعة لا تتناسب مع وقار مظهرها.
المكابرة ناظرة لنافذة المطبخ المطل على شجرة البونسيانا الحنون، مش عارفة يا ستي، حقيقي بقيت مش عارفة إيه الصح وإيه الغلط في موضوع الجواز ده!
الجدة: وهو ده اللي هايفضل تاعبك ومش هيريحك طول عمرك، يا بت ما فيش الكلام ده فى الجواز، الجواز فيه ده انا بحبه وده ما بحبوش، وفيه ده اللى اقدر استحمله وده اللى مقدرش عليه، لكن فلسفة وكلام مايل بقى، ده فى دماغكم الخربانة بس.
المكابرة: تفتكري؟
الجدة: أهم حاجة اللى تفتكريه مش اللى عشتي تسمعيه وتحفظيه زي الحمارة بدون تفكير.

هناك تعليق واحد: