السبت، 6 يوليو 2013

يوميات فتاة مكابرة (5)



عن الأرض التي يرثها "أولاد القحاب"


تسمَّر الأقارب والأصدقاء أمام التلفاز في غرفة الاستقبال الكبرى، وكل منهم يدلي بدلوه حول ما يحدث، وقطع بيان الجيش(1) حديثهم، لنجده يعلن انتهاء دولة الإخوان(2) وبداية مرحلة جديدة في مسار الثورة(3).

هلل الجميع دعمًا وتأييدًا لقرار الجيش، ووحدها كانت تجلس معهم، ولكنها لم تكن معهم، فلم تسعد ولم تسخط على ما حدث، كان ما بداخلها هو الصراع، فهي ترفض فكر الإخوان وطريقتهم في الحكم، وترفض العسكر لمطامعه وكوارثه التي لم تنسَها بعد.

بدأ من حولها يتحدثون عن قوة الجيش وحزمه، وأهمية ضربه بيد من حديد لكل المنتمين لجماعة الإخوان، استفزها الحديث وشعرت بقسوة غريبة متخفية وراء تلك الآراء، صفعتها تلك القسوة حينما أدلت بدلوها هي الأخرى وقالت: "أنا لا أوافق على وقف القنوات الإسلامية بهذا الشكل، كان يمكن تحذيرهم أولًا بعدم إثارة الفتن، ومن يتجاوز تتم معاقبته بوقف البث، فلا بد من قانون، لأن سقوط القانون سيؤدي لفاشيَّة لا أقبلها"، وما إن أنهت هذه الجملة حتى واجهت الآتي:

قريب أول: ومن قال أن الفاشيَّة ليست حتميَّة في بعض الأوقات؟
قريب ثانٍ: إنه وقت الضربات الاستباقية، ولا بد أن تربك عدوك حتى ينهار.
أنا: عدوك!! هو مخالف سياسي لي وليس عدوًا.
الأم: كفاكِ رومانسية وكلامًا ساذجًا لا يؤدي لشيء، إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب.
أنا: هذه ليست رومانسية، هو شرف لا بد أن يحكم الخصومة، حتى لا نفقد إنسانيتنا.
قريب ثالث: الآن فقط عرفت لماذا لم تنجحي في حياتك، لا بد أن لهذا الكلام الساذج دورًا كبيرًا.
أنا: من قال إني لست ناجحة في حياتي! وبماذا يمكنني توصيف من يقول إن الكلام عن الشرف في الخصومة سذاجة؟!
قريب رابع: أنا لا أريد خطبًا حماسية، اذكري لي حربًا واحدة تم كسبها بالمثالية.
أنا: هي ليست مثالية.
الأم: أذكر لكِ أنا ما فعلتْه المثالية بكِ، كنتِ تتوقين منذ صغركِ لأن تكوني صحفية، ثم بذلتِ كل طاقاتكِ لتعملي بها، ووافقناكِ دعمًا ومؤازرة، ثم بعد عام واحد تركتِها لأنك لم تحتملي أن تري فلان الذي كنتِ تقدِّسينه وهو أفَّاق، وعلان الذي كنتِ تقدِّرينه متلون، وفضلتِ أن تنسحبي بدلًا من المواجهة، وتركتِ حلم عمركِ لضعفكِ الذي أسميتِه شرفًا.

أنا: هذا لم يحدث، لقد صُدمتُ بالفعل في أناس كثر كنت أحترمهم، ولكني انسحبت لأني شعرت أن براءتي ستضيع إذا أكملت في هذا المجال. هناك من يستطيع الحفاظ على نفسه وسط كل هذا العفن، أما أنا فلم أستطع.
الأم: هذا ما تقولينه لنفسكِ لتبرري ضعفك.

أنا: نحن كنا نناقش حدثًا سياسيًّا، ما الذي أدخل العام في الخاص الآن؟
الأم: نفس طريقتكِ في الهروب من المواجهة.
أنا: أنا لا أهرب من شيء.
الأم: تستطيعين أن تقولي لماذا لم تنجحي في الارتباط بأحدهم إلى الآن؟
أنا: أنا ...
الأم مقاطعة: أقول لكِ؛ لأنك تنتظرين فارسًا نبيلًا في وقت لا يوجد فيه كل هذا الهراء، من يوجد الآن هم رجال بضعفهم قبل قوتهم، زمن الفرسان هذا لم يكن موجودًا إلا في عقلك المحشو بنفايات الأدب والشعر.

قريب خامس مقاطعًا: دعكِ من حديث أمكِ وأجيبيني، لماذا تعيشين في عزلة بعيدًا عن البشر، بل إنكِ اخترتِ الكتابة، تلك المهنة المفارقة لتكون هويتك، لماذا؟
أنا: الكتابة، ربما تكون حلمًا بعالم أفضل، لمَ لا؟

الأم: ألم أقل لكِ، تعيشين في خيالاتكِ وعالمكِ الموازي لفشلكِ في معايشة الواقع، أنتِ محض أحرف تلهم البشر، وتعدهم بعالم أفضل، ولكنكِ لا تدركين أنكِ بذلك تصنعين لهم وهمًا يصدقونه ثم يقعون صرعى على أرض الواقع.

أنا غاضبة: لقد استغللتم ظرفًا سياسيًا لمهاجمتي بشكل غير إنساني وبشكل مغالط.
تركتهم وذهبت لغرفتها، وإذ بأمها وبقية أقاربها يصيحون: البقاء للأقوى، وكفاكِ حديثًا عن يوتوبيا لن توجد على الأرض، هذه اليوتوبيا يمكنكِ صنعها ببضع نقرات على حاسوبك، ولكن هذا لا يعني وجودها.


صمَّت أذنيها عن كل ما يقولون، وفتحت حاسوبها ونقرت عنوان قصتها الجديدة: "الأرض يرثها أولاد القحاب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيان الجيش المصري بعد أحداث 30 يونيو 2013
(2) فترة حكم الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمون
(3) ثورة 25 يناير 2011

هناك تعليق واحد: