الجمعة، 21 يونيو، 2013

يوميات فتاة مكابرة (3)


عن الغرب الكافر والشرق المؤمن


جمعني وصديقٌ قديم(1) حوارٌ حول صديقتنا التي كانت مخطوبة لرجلٍ فرنسي وابدى سعادته وارتياحه لفشل تلك الخطبة، وحينما تناقشنا حول أسباب سعادته تلك، قال لي كيف لفتاة مصرية مسلمة أن تتزوج رجلاً أجنبياً (كافراً) وبدأ حديثه الفارغ عن كون الرجل المصري أفضل آلاف المرات من أى اجنبياً آخر، وانهى حديثه منفعلاً يكفي أنه مسلماً !!

الحق انه كان حوارٌ ملهماً لي لدرجة كبيرة، فنظرة صديقنا هذا للغرب عموماً وللرجل الغربي خصوصاً ليست نظرة فردية يمكننا التعالي عليها أو تجاهلها فهي تكاد تكون نظرة عامة للغرب عندنا، فأتذكر حينما تقدم لخطبتي رجلاً أجنبياً أني وجدت أمي تسخر متعالية وتقول:"ده اللى ناقص، اجوزك خمورجي مرافق 100 ست"!!

وعن هذا أجد أن نظرة أبي رحمه الله كانت مصيبة إلى حد كبير في هذا الأمر، فهو كان يرى أنه من الأسباب الكثيرة لتأخر المصريين هى عدم سفرهم للخارج، ذلك انك لو ركزت ملياً ستجد أن معظم من أحدثوا نهضةً وتقدماً فى مصر كانوا من المصريين الذين سافروا للخارج فأصابتهم تلك الصدمة الحضارية المهمة لأى تطور، فرفاعة الطهطاوي وعلي باشا مبارك وقاسم أمين وغيرهم كانوا من أولئك المصريون الذين صُدموا فنقدوا أنفسهم فتعلموا فتطوروا.

ولكن الأمانة تقتضى مني الإعتراف بأني كنت من أصحاب ذلك التفكير المتعالي الناظر لنفسه ولحضارته كأفضل ما يكون، فأتذكر حينما قابلت شاباً سويسرياً في مصر وكان صديقاً لصديقة لي، أتذكر جيداً حينما رأيته لأول وهلة وكانت له ملامح طفولية بعض الشيء، وجدتني اقول في سري: "يا حلوة!" وكنت أتجاهله طوال الجلسة، إلى أن بدأت صديقتي تسأله عن عمله ونشاطاته، فبدأ يحدثها عن مشروعه فى مصر لتنقية مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها، ورؤيته ورؤية فريقه للمشاكل الموجودة هنا، ووجدتني اتخلى عن تعاليا الكاذب وانصت له باهتمامٍ شديد، ولكن ما أسرني بشدة كان حديثه عن رحلته هو واصدقائه لأثيوبيا، ذلك البلد الفقير الذي يعاني من التلوث فى مصادر المياه والتي تتسبب في تزايد حالات المرض هناك إلى حد بعيد، لمساعدتهم في انشاء مصادر نظيفة للمياه تجنبهم ذلك التلوث الذي يفتك بصحتهم، وهذه الرحلة لم تكن بأجر ولم يستفيدوا منها أى استفادة مادية!





وأذكر أنه من ضمن ما تكلمنا فيه كان إعجابي الشديد بالدكتور محمد يونس(2) وكيف أن مشروع بنك جرامين(3) الذي أنشأه لمساعدة النساء الفقيرات المُعيلات في بنجلاديش قد الهمني بفكرة قد بدأت بتنفيذها بشكلٍ فردي واسردت له عن أمنيتي بمقابلة هذا الرجل يوماً لمعرفة بعض التفاصيل عن مشروعه والتي قد تساعدني في مشروعي المشابه.

وبعد أن مضى على حديثنا هذا شهوراً وجدت فيليب يتصل بي ليخبرني بأنه سيقابل شقيق الدكتور أحمد يونس في بنجلاديش ويستفسر عن الأسئلة التي أود معرفتها منهما لمساعدتي في تطوير مشروعي الصغير.

هل قلت لكم أني خلال فترة صداقتي بفيليب لم أشاهده مخموراً يوماً، بل هو من ذكر لى لاحقاً أنه لا يحتسي الخمور إلا فى المناسبات، هل ذكرت لكم أني لا أثق في وعد أحد من أصدقائي كما أثق في وعود فيليب معي، فهو لم يخلفني الوعد يوماً، ففيليب الذي ينظر له مجتمعي على أنه  (كافر) لم يجرحني يوماً بنظرة تؤذيني رغم عدم معرفته بأحاديث الإسلام الكثيرة عن غض البصر!.

شخصية فيليب ليست شخصية فردية على الإطلاق فحينما عملت بشركة إيطالية وكان معظم زملاء عملي طليان، وجدت هذا النموذج بكثرة، حتى من يكون متجاوزاً منهم لا تصل درجة تجاوزه حد الإشمئزاز الذي أحسه مع تجاوز بعض المصريين، تأتي المفارقة في هذا الأمر من أن المدير لهذه الشركة الطليانية كان مصرياً ، وكانت تجمعنا مناسبات جماعية للعشاء كطاقم عمل، فكنت أجد الطليان يتحرجون من شرب الخمر ومعهم نساء مسلمات محجبات ولم يكن مديري يتورع عن طلب (التكيلا أو الويسكي)!

أشي لكم بسراً لقد تركت عملي في هذه الشركة التي لم أجد فيها أي تمييز عنصري تجاهي كمسلمة محجبة  من الأجانب لرفضي الزواج من هذا المدير المصري الذي سعى جاهداً لمضايقتي لترك العمل وقد كان!

لاتتصورا أني أمارس جلداً ذاتياً لثقافتنا بالإفتتنان بالغرب، هذا ليس صحيحاً بالمرة، وانما أنا صُدمت حضارياً وثقافياً من هؤلاء الغربيون وأود النقد الموضوعي، الذي ربما يؤدي بنا لضروبٍ أفضل من تلك المزابل التي نعيش فيها، فالغرب ليس أرض الميعاد فهو أيضاً له مشكلاته وتحدياته، ولكن نحن كعرب لدينا مصائب وليست مجرد مشكلات.

فالغرب بعد معاناته الطويلة مع رجال الكنيسة وسيطرتهم على كل مناحي الحياة بما أعاق تلك الحياة نفسها، وجدناهم يثورون على تلك الدولة الدينية ويؤسسون لدولة العقل والحريات ومن هنا جاءت نهضتهم، فالدين لدى الغرب تم استبداله بنسق قيمي انساني بدلاً من ذلك الدينى، وربما هذا يفسر لكم كلمة معظم المصريون الذين سافروا للخارج وقالوا عنهم أنهم مسلمون بلا إسلام، وربما يفسر لكم أيضاً تدهورنا المريع لإستبدالنا النسق القيمي للدين بنسقٍ شكلي ردىء، فتحول الإسلام من دين عدل وأخلاق لدين ماركة "جمعة مباركة" التي تجدها على مواقع التواصل الإجتماعي كل ليلة جمعة  كعلامة مخزية لما آل إليه مفهوم الدين لدينا، فمعظم من يكتبون تلك العبارة يمارسون القبائح من كذب وخيانة ..الخ، لقد أصبح المهم هو الشكل، فهو ملتحي وهى محجبة!

أسأل نفسي الآن لماذا اكتب هذا الموضوع، أكتبه لأرى صورتي أمامي بلا تزييف، اكتبه لأحطم وهم الثوابت الفاشل أكتبه لأحث نفسي وغيري على التواضع، تواضعوا أعزكم الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    لزم التنويه أن هذا الصديق متعلم وحاصل على أعلى الشهادات العلمية.
(2)    الدكتور محمد يونس(من بنجلاديش) وحاصل على جائزة نوبل فى السلام. محمد يونس
(3)     بنك جرامين بنك جرامين
(4)   الصور للصديق العزيز فيليب ريموند خلال رحلته الرائعة لأثيوبيا وقد استأذنته قبل نشرها

هناك تعليقان (2):

  1. عزيزتي وفاء
    ـــــــــــــــــــــــ
    موضوع صعب جدا وكمان صياغتك ليه كانت قوية ومميزة .. فاعذري قليلي الفهم يا عزيزتي
    من الناحية الشخصية.. انا استمتعت بتأمل الفكرة أو المضمون كويس .. وافتكر اني ممكن اوافقك في اكتر النقاط
    ممكن ننقاشها لما اشوفك
    بس الاهم دلوقت من كل المواضيع دي
    ابعتيلي رقم فيليب يا وفاء .. بالذوق أحسنلك :))

    ردحذف
  2. أنتِ تؤمري يا شيري :)

    ردحذف