الخميس، 21 مارس 2013

الحب في زمن الكوليرا

كانت بدايتى مع أدب أمريكا اللاتينية مع رواية " مائة عام من العزلة " للرائع جابرييل غارسيا ماركيز، ولكن أعترف أنى لم أستسغ هذه الرواية فى بادىء الأمر، بل ولم أحب مركيز نفسه، ولكن كانت لي فرصة آخرى لإعادة النظر فى أدبه، حينما قرأت مذكراته " عشت لأروى " والتى أعتبرها عملاً أدبياً رائعاً، ثم تطورت علاقتى بهذا الكاتب العملاق حينما قرأت رائعته " الحب في زمن الكوليرا " ...

هذه الرواية تحديداً جعلته من كتابى المفضلين، فماركيز حينما يكتب عن الحب لابد أن تكون كتابته كموسيقى أمريكا اللاتينية التى تضج بالحياة والعنف والشهوة، فإبن حضارة السامبا والتانجو والفلامنكو لابد أن تكون حكايته على نفس المستوى، ولكن لابد لنا أن لا ننسى أن هذه الحضارة رغم الحياة التى تضج بها فهى حضارة عانت مرارات الظلم والإستبداد بل وعانت من قسوة الطبيعة الحارة أيضاً فلابد أن تجد الحزن حاضراً فى موسيقاهم وأدبهم ، وربما لهذا جعل الحب فى زمن الكوليرا، فهى ككل قصص الحب الرائعة، قصة ممزوجة بالحزن والألم، ولكن رغم هذا لا تملك إلا أن تحبها، فالقصة بها أبعاد كثيرة ولكن تتمحور حول قصة حب رائعة، بل حول سؤال غريب الا وهو: هل يمكن أن تنتظر حبيباً فرقت بينكم الحياة 51 عاماً بمنتهى الإصرار والشغف؟!

رغم أنى سأتكلم عن الفيلم إلا أني أنصح الجميع بقرأة الرواية، فهى أروع من الفيلم مئات المرات، وربما لهذا السبب تردد ماركيز فى الموافقة على تحويل هذه الرواية لعمل سينمائي، القصة تتناول قصة حب نشأت بين مراهقين هما فيرمينا، وفلورينتينو، ولكن الرفض لاحق قصتهما منذ بدايتها، فنجد والدها يقابل قصتهما بالرفض الشديد لانه يريد لإبنته زوجاً ذو مكانة إجتماعية أرقى من فلورنتينو، فيأخذها ويرحل عن المدينة التى يقطن بها فلورنتينو لتنساه، ولكن ظلت رسائل الحب تشيد صروح حبهما أكثر فأكثر، ولكن المفارقة تحدث والمأساة تبدأ حينما تقابل فيرمينا فلورينتينو فى السوق بعد ثلاثة أعوام من الرسائل الغرامية شبه اليومية لتقول له "لست أنت" فقد شعرت أنها لم تقترب منه كما يجب لتفاجأ بان حبها مجرد "وهم" وتذهل كيف أحبت ذلك "الطيف" المفتقر إلى الملامح المحددة فتنهي الأمر بقرار الفراق..

ثم تتزوج بطبيب ذو مكانة إجتماعية رفيعة، يحظى برضا والدها ومباركته، وتنتقل إلى طبقته بتفوق وتنجب منه وتنسى حبها الأول الذي لا ينساها للحظة ويعاهد نفسه على الزواج منها حتى لو أدى به الأمر أن ينتظر وفاة زوجها !!
ونجد فلورنتينو يرفض إقامة أى علاقة حميمية مع أى إمرأة إلى أن تحرشت به إمرأة يوماً فحاول أن يدفن نفسه في العلاقات الجنسية مع النساء بحثا عن الحب وكمحاولة للتعويض ولكن دون أن يذهب في أي علاقة إلى حد الالتزام لأنه يريد أن يظل حرا على أمل الاقتران بفيرمينا ذات يوم.

وبدأ فلورنتينو فى الصعود الإجتماعى من خلال عمله فى شركة النقل البحري، وعلى الجانب الاخر نجد زوج فرمينيا طبيبا مثاليا ، يحب زوجته دون أن يخلو الأمر من نزوة تعرض لها وضحى بالمرأة التي كانت زنجية في سبيل زوجته ودون أن تخلو حياة طولها نصف قرن من بعض الرواسب والخلافات لتظل سعيدة بمعظمها وحتى موته .. لينكشف بعدها وعن طريق الصحف التي تترصد الطبقات العليا أنه كان على علاقة بصديقتها فتنقم عليه شاعرة بالإهانة حتى وهو متوفى ..

ومن المشاهد الجميلة فى الفيلم حينما يقول فلورنتينو لفيرمينا بعد وفاة زوجها هذه اللحظة انتظرتها 51 سنة و 9 أشهر و 4 أيام ، والآن منّ الله عليّ بتحقيق عهد الوفاء الأبدي، فنجده وهو كهل فى السبعين يتحدث لفيرمينا العجوز بشغف وحب فتى العشرين، ليجعلك تتعجب وتتسأل ما هو الحب؟ وبأى عين نرى أحبتنا، ففلورنتينو جرب كل أنواع النساء، حتى حينما علم بموت زوج فيرمينا كان على علاقة بفتاة تصغره بخمسين عاماً، وكانت تعشقه، بل وانتحرت حينما علمت انه سيتركها، ولكن ظلت فيرمينا العجور هى حلم الحب لديه، فنجده يصفها بأنها شظية لايمكن اخراجها!..

ونجد فلورنتينو يستبدل رسائل الحب لفيرمينا برسائل عبارة عن تأملات عن الحياة والعمر حينما يدرك أنهما أصبحا عجوزين فى السبعين، ليصبح أقرب الناس لها، ويدعوها لرحلة نهرية ويتقربا أكثر وأكثر، ويلجأ لحيلة للتخلص من ركاب السفينة ولكى لاتنتهى رحلته مع حبيبته بأن يعلن أن السفينة عليها وباء الكوليرا....
ونجدهما وهما عجوزين في الفراش لأول مرة ، يضمها الى صدره ويقول (قلبي وصل لمبتغاه الآن ) ..ويهمس في أذنها : (انها الحياة ، وليس الموت ، التي لاتعرف حدوداً )..ويتوحدان في الحب كما لو كانا شابين..لا عجوزين في السبعين !.

وتنتهي الرواية والسفينة تعبر النهر ذهابا وجيئة رافعة علم الوباء الأصفر دون أن ترسو إلا للتزود بوقود فيما تضم عش الحبيبين الذين لا يباليان بكبر عمرها ويقرران انهما الآن في مرحلة أفضل لوصول مرحلة ما وراء الحب وهي الحب لذات الحب ..

تبدلت رؤيتى لهذه القصة فى قرأتى الثانية لها ربما للفارق الزمني بين القرأتين، فحينما قرأتها وأنا فى بداية العشرين كرهت فيرمينا وتعجبت من وفاء فلورنتينو لهذه الخائنة، بل وتعجبت من حبه لها من الأساس، فهى لا تستحق هذا الحب، ولكن بعد عشر سنوات من هذه القرأة لم أتعجب من عشق فلورنتينو لها، لأننا لا نحب بمواصفات هندسية بها من يستحق ومن لا يستحق، نحن نحب ونحب فقط دون سبب منطقي، ولكن وحدهم المحظوظون هم من يحبون من يستحق....

هناك 3 تعليقات:

  1. عزيزتي بنت علي
    ـــــــــــــــــــــــ
    لا ادري من اين ابدا تعليقي
    هل من حيث بدأتي ام من حيث انهيتي التدوينة..
    وما بين المبتدى والمنتهى قصة اقشعر لها بدني
    فبت لا اعرف هل انساق وراء القصة ام انساق وراء رؤيتك وتحليلك لعشر اعوام من عمرك بين قرائتين

    لن اطيل عليكي ..
    وساذهب الى خلاصة العشر اعوام
    اجل ياعزيزتي نحن نحب بلا مقاييس ولا مواصفات هندسية .. الحب الحقيقي ياتي عنوة بلا مقدمات ولا ينتهي بعمر معين ولا يهرم بعوامل زمنية ..ولا يندثر بالنسيان
    هكذا يكون الحب ياصديقتي .. هكذا يكون حمى العشق او كوليرا العشق.. يعيش طويلا في الابدااان ولا يموت حتى وان متنا ورحلنا عن العالم

    عزيزتي وفاء
    اشتقت حقا لقراءة القصة ..اشتقت ان اتعلم من الادب اللاتيني كيف لايموت الحب ابدا

    تحياتي صديقتي

    ردحذف
  2. شيرى..

    هتكتشفى فى رؤيتنا للأشياء انها كلها بتبتدى من عندنا وتنتهى عندنا برضه، يعنى اول مرة قرتها فعلا كنت غاية السخط على الوفاء لشخص خذلك، فلم أستمتع بها فى هذه القراءة، ولكن حينما كبرت أكثر، اكتشفت اننا لانحب وفق مقاييس، ويحدث ان نقابل من هم فى نظر الجميع لا يردوا ولا نحبهم والعكس صحيح، فبدأت أراها من منظور إنسانى اكثر منه أخلاقى..

    بالنسبة لأدب أمريكا اللاتينية فهو كنز بحق..

    ردحذف
  3. تسألتى فى تدوينتك ما الحب وكيف لفلورينتينو ان ينتظر حبيبته اكثر من خمسين عام، الحق اقول ان الحبيبة تاتى لحياتنا مرة واحدة ومن لم ينتظرها فى الواقع فانه ينتظرها فى قلبه، فهناك نساء كالوشم الذى لا يمحى يا سيدة القلم

    ردحذف