الجمعة، 1 مارس، 2013

رسالتي لمصطفى سيف الدين




تكتب رسالة تقطر صدقاً وعمقاً، لم أتوقعها منك تحديداً، ذلك أنك ابتلعت طعم كذبي حينما سألتني أن أكتب لك رسالة وقلت لك فلتبدأ أنت أولاً لأني لا أراك، وهذه أول كذبة وهذا أول اعتراف بها ولكن ثق أن هذه الرسالة ستكون ممتلئة بالاعترافات وهادمة لكثير من أكاذيبي، أنا أراك يا مصطفى ولكن أعترف أني أخافك، حدث سوء تفاهم بيننا لم تكن معنى به بشكل مباشر، ففاجأني وجهك الآخر الغاضب، أعترف أنى خفت ذلك الوجه، لأني كنت حريصة على صداقتنا الوليدة من ضربة قاسمة لكل البدايات!
ولكن وجهك الآخر أظهر لى ظلاً لم اره من قبل فى شخصيتك، فأنا أعلم أن من يجرحون بتلك السهولة هم أناس أنقياء جداً ولكنهم تألموا جداً جداً، فقد نقشت المعادلة المقيتة رموزها على قلوبهم ، اضرب مقدار نقائك X الواقع من حولك تحصل على ناتج وجع القلب كاملاً!
سعدت أنك تكلمت عن نفسك بتماس مع الكلام عني ، وأعجبتنى تلك الطريقة فى الكتابة، فهي تبرز خيوط التماس فى الواقع، لتتجسد أمامك صورتك دون شوائب. لذا سأبدأ مباشرة بالحديث عن أكاذيبى التي روجتها عن نفسي لحد الإقتناع، لتصفعني مواقف واقعية مؤكدة كذب مزاعمى

 
الكذبة الأولى: أني متسامحة
إن كانت بعض الأوهام ندركها ونحن نمارسها فبالتأكيد هناك أوهام نمارسها دون إدراكها، ومنها وهم أني متسامحة، كنت أصدق ذلك عن نفسي جداً، والحق أقول ربما تسرب لى هذا الوهم لاني لست من الشخصيات الانتقامية، بمعنى أني كثيراً ما تأتيني فرص ماسية للفتك بمن يؤذيني، ولا يحتاج منى الأمر حتى لقليل مجهود، ورغم ذلك لا أفعلها، أقول ربما يكون هذا الميل لعدم الإنتقام هو من دواعي تصديقى صفة التسامح بحق نفسي، والحق أني عشت هذا الوهم طويلاً الى أن ايقظني ثلاثة على حقيقة كذبه ، الأول كان الكاتب الايرلندي برنارد شو، حينما قرأت له جملة عبقرية فسرتنى دون ثرثرة، حللت ما فىّ دون كثير كلام، فقد قال :"احذر الشخص الذي لا ينتقم منك.. فهو لم يسامحك ولا يريدك أن تسامح نفسك"، صفعتنى العبارة لغرابتها ولهدمها لقناعة عشت اتنفسها، والثاني كان صديق فرنسي، جمعتنى به جلسة على نيل القاهرة، واذ بالنقاش يحتدم بينه وبين خطيبته وهى صديقتي واذ به يلقى بالقنبلة لي دون أن يدري وهو يوجه لى كلامه "تعرفين وفاء: لا يوجد فى الدنيا انتقام أقسى من التجاهل!! ولكنها لا تفهم"، والثالث كنت أنت حينما قلت" سهلة الكسر.. لكن لا ينال من يكسرك سوى الجروح الدامية"

لم يعد هناك مجالاً للكذب الآن، ولن أدخل فى نوبة تبرير لا تهم، وها أنا أعترف أكتشفت أني لا أغفر القسوة والخيانة بكافة اشكالهما، وتزعجنى قسوتى الموازية لهما ولكن لا أظن أني سأتغير.
الكذبة الثانية: أني شديدة الصدق مع نفسي

 
أنا كاذبة، لا يوجد إنسان شديد الصدق مع نفسه يدعى نضجه ووعيه الكامل بكل شىء، تعرف يا مصطفى، لم استطع تجاوز القليل من ذلك الضعف الا حينما بدأت الكتابة، قد تندهش أن الكتابة عندى مثل تمارين اليوجا، أو مثل الطبيب النفسي، فأنا لا يجمعني بالكتابة أى عشق أو افتتنان، بل على العكس أسعد كثيراً حينما أتوقف عن الكتابة، لأن الكتابة هى مرادف الموت بالنسبة لى، وقد أكون مخطئة فى ذلك التصور ولكنى دوماً أرى أن الإنسان لا يكتب الا حينما يفتقد الحياة أو أجزاء منها!

الكتابة أخرجت أصدق ما فىّ، الكتابة جعلتنى أكتب عن ما يؤلمنى ببساطة دون تعقيدات ترهيبية من عقلى، ذلك الجلاد اللعين، فالكتابة هى من جعلتنى أقول لأبي عند شاهده "حد يموت عنده 56 سنة"!! قد تكون الكلمة خطأ من الوجهة الدينية، ولكنها شديدة الإنسانية، كلمة ابنة عاشقة لابيها وفتت قلبها رحيله ، لم تكن كلمة تلك الناضجة الكاذبة التي تقف كالصنم أمام قبره، لا تريد البكاء لانه لا يحب ذلك!

هى مؤكداً تعرف أنها كاذبة، وهى لا شك تدرك أن المسألة لا علاقة لها بأبيها قدر ماهى لها علاقة بصورتها الذاتية أمام نفسها وأمام محيطها، قل معي سحقاً لكل الكاذبين وأنا أولهم.

تخشى الغوص داخل نفسك، ومن قال لك أنى لا أشاركك الخشية ، فبعد بدايتى الحماسية لهذا النوع من الكتابة وجدت نفسي أتراجع وأقول كفى، التجريد والتعرية شديدا الإيلام، ولكنهما مطهران لكل الجروح ، فهو تطهير مدفوع الثمن.

تكلمنى عن فراق الأحبة، أقول لك، لم استطع للآن تعلم درس النضج في تقبل فراقهم، اتشبث بأحبتي تشبث رضيع بأمه، لا تتخيل ماذا حدث لي حينما مرض أخي الأكبر أحب البشر لقلبي وتخيلي للحظة فقده، آتاني هذا الهاجس وأنا أقود سيارتي، ولم يكن مني الا أن ركنت جانباً وأجهشت ببكاء حارق، وأنا اقسم على الله أن يشفه لي، لو سمعت دعائي وقتها لاندهشت من طريقة الدعاء التي تناسب طفلة لا شابة فى النصف الأول من الثلاثينات!
ولكن مصطفى، ما الحياة بدونهم؟ بل ما الحياة كلها دون أحبة؟

هل تساوى شيئاً؟ هل لها معنى؟

ربما هذا يفسر لك اعتبارى لنفسي ميتة أحياناً، فأنا لا يحيينى غير الحب، ولم أخلص لقضية فى عمرى قدر إخلاصي له، وخذلني كثيراً ، ولكن لم تنهزم ثقتي فى العدل الالهي الذي سيرضينى يوماً.

اندهشت لمعرفتك سر الخيول معي رغم عدم تطرقنا ولو من بعيد لهذا الموضوع، نعم كنت أهرب بهم واليهم من قبح يوم لا أنتمي لتفاصيله ولا تنتمي تفاصيله لى، تعرف، عملت فى مؤسسات أجنبية وتقاضيت راتبي بالدولار، وركبت أحدث السيارات وعشت حياة مترفة لحد كبير، ولكن تلك الهوة فى القلب كانت تتسع يوماً بعد يوم، كان كل من حولي يندهشون حينما أطلب منهم الدعاء لي، وسر دهشتهم كانت فى الدعوة، كنت أطلب منهم أن يدعو ليّ الله أن يهديني الطريق!

 أى طريق لم أكن أعلم؟ ولكنى كنت على يقين أن حياتي لابد أن تأخذ منحنى آخر غير ما كنت أعيشه، كنت تائهة، وأعترف أني حينما مسكت القلم لأول مرة عرفت أن هذا هو الطريق الذي اختاره لي، أنا لا أحب طريق القلم ، ولكنه استجاب لدعوتي وهداني لطريق يعرف أنه يناسبنى، الكتابة هى الشىء الوحيد الذي لم أحبه ورغم ذلك أعطانيها ، تباً لحياة بمنطق لن يعرف العدل أبداً!

ختاماً لن اعتذر لك كما فعلت بأنى تكلمت عن نفسي أكثر من كلامي عنك فى هذه الرسالة، تعرف لماذا؟ لاني منذ البدء ادرك حقيقة افتناننا جميعاً بذواتنا وبالحديث عنها حتى وان كانت تلك الذوات مشوهة.

هناك 3 تعليقات:

  1. أولا اشكرك على فكرتك و ارسالك لي تريدينني أن أشاركك تلك اللعبة ثم استغربت انك تريدين ان اكون البادىء هذا لأنها لعبتك و أنتِ تختارين قواعدها فطلبت منك أن تكوني البادئة كديدن أي شيء يكون الرائد صاحب الفكرة إلا أنكِ فاجئتيني بالرد أنا لا أراك و كيف ترينني و أنا لست أرى نفسي لذلك وافقت أن ابدأ
    ثانيا نعم أنا ظل غامض مخيف أنا نفسي أخشاه أحمل دما صعيديا بدرجة امتياز أصبح وحشا هادرا غبيا حين أشعر مجرد الشعور فقط بأن هناك من اقترب من منطقة محظورة بداخلي

    ثالثا لم أتوقع و أنا أقرأ رسالتك بأن تختميها باعتذار لأنك لم تكتبين عني مثلما كتبتِ عنك ربما لأنني أقرؤك جيدا و ربما لأنك لم تريني

    رابعا قلتِ أنكِ تلوتِ من قبل أكاذيبا عن نفسك و بالعكس فجل ما رويتيه في رسالتك قرئته بين حروفك على مدونتك من قبل رسالتك لم تفاجئني من قبل بل أنا أحسدك أحيانا لأنكِ تستطيعين أن تواجهي نفسك بكل ذلك حتى مسامحتك للآخرين و إن كنت لم أراكِ سابقا إلا أنني قرأت ذلك هنا رسالتي لكِ كنت أعنيها بكل ما فيها
    أتعرفين يا وفاء أنا من تلك النوعية التي تستطيع أن تعرف و ترسم بخيالها دقائق و رقائق من مجرد حروف و استطيع ان أعرف الصادق و الكاذب و الواضح و من يحاول طمس نفسه أنتِ صادقة يا وفاء حد الذهول لذا ربما ظننتِ أنك ستواجهينني بأكاذيب لم أعلمها لكن ذلك غير حقيقي بعضنا لا يستطيع الكذب أبدا و أنتِ منهم و ربما ذلك كان عيبا
    اشكرك على تلك التجربة التي خضتها و اشكرك على دعوتك لي لمشاركتك لتلك اللعبة القاتلة و حمدا لله أننا خرجنا سالمين :)

    ردحذف
  2. صدقك حارق يا وفاء
    استمتعت بقراءة الرسالة وقبلها رسالة مصطفى

    ردحذف
  3. مصطفى / لبنى

    لا أظنني بذلك الصدق النذي تحدثتا عنه ولكن أعتبرها محاولات لعل الصدق يأتي يوماً ما.

    ردحذف