الاثنين، 25 نوفمبر 2013

يوميات فتاة مكابرة (12)




حوار مع الجدة

 


تعرف أن جدتها بالبيت حينما تنبعث روائح البهجة في كل ركنٍ من أركانه، فحينما دخلت البيت وتسربت لها رائحة المسك المنبعث من المبخرة عرفت أنها هنا، ووجدتها تغني كصبية في الخامسة عشر من عمرها على طاولة المطبخ، تعرف أن سمعها ونظرها قد تأثرا بعوامل الزمن الذي قال عنه محفوظ "أنه عدوًا للزهور"، جدتها تلك الزهرة الفواحة، التي تعج بالحياة رغم عقدها الثامن تضفى الألوان على كل مكان تحل به، تلصصت عليها وهي تغني أغاني الأفراح القديمة إحتفالًا بخطوبة أصغر حفيداتها، كانت تريد أن تكحل عيناها برؤيتها قبل أن تسلم عليها، وكانت تبتسم في صمت وهي تسمعها وتراها وهي تغني أغاني الافراح الريفية المتهتكة المليئة بكل الإيحاءات الحسية، ولكن تفلت ضحكة مفاجأة منها إثر تمايل جدتها بغنج بنات العشرين كشفها، ونبه جدتها لوجودها، فغمرتها بحضن قوي وقبلت رأسها ويديها قائلة: "وحشتيني".

الجدة: وانت يا بنت بنتي مش ناوية تحصلي بنت خالك؟
المكابرة: ان شاء الله يا ستي.. كله بأوانه.
الجدة: وأوانه امتى يا نور عيني؟
المكابرة مبتسمة: لما الاقي واحد زي  جدو أحمد.
الجدة: يا ختي.. جدو أحمد ده كان جوزي التالت، يعني اتجوزت واحد واتنين والتالت، وحتى التالت يا بت مكانش يعني احسن راجل في الدنيا.
المكابرة بإندهاش: بس انتِ كنتِ سعيدة معاه يا ستي.
الجدة: وأنا قلت لأ: أنا بقولك أنه مكانش الراجل اللى ممكن تتكلموا عنه فى الروايات يعني، يعني كان راجل شديد، وشحيح، واقولك على سر: مكانش أحسن راجل اتجوزته،لكن نقول ايه عالنصيب..الحمد لله.
المكابرة: بس أنا عمري ما شوفتك تعيسة معاه يا ستي.
الجدة: عشان انا مابحبش النكد بس، لكن الحقيقة، كنت بشوف فيه اللى يخليني احب الدنيا معاه، مش قاعدة زيك مستنية الراجل اللى ما جاش ولا هيجي زيه.
المكابرة: بدأتي تتكلمي زي أمي يا ستي.
الجدة: أبدًا يا عبيطة، أنا بس مش عايزاكي تضيعي عمرك مستنية حاجة مش موجودة، طب اقولك على حاجة ابيجة؟ الجدة تتلفت يمينًا ويسارًا متسائلة:"الأول أمك حوالينا ولا اتكلم براحتي؟"
المكابرة ضاحكة: لا، أطمني هي راحت تصلي.
الجدة: كويس، بصي يا بنت بنتي، أنا لما كان جدك احمد يزعلني بشدته معايا، كنت اقعد اعيط وأقول مش هاعيش مع الراجل ده تاني، لكن ساعة لما كان يصالحني والاقيه بقى عيل قدامي وياخدني فى صدره وهو بيبوس ايدي وراسي عشان ما ازعلش، كنت بحس انه احسن راجل فى الدنيا، – وخفضت الجدة من صوتها مقتربة من حفيدتها -  كمان يا بت جدك أحمد كان فرس في السرير، كان بيخليني أوحوح تحتيه، وهنا انفجرا سويًا في ضحك هيستيري قاطعته الأم بصرامتها المعتادة قائلة: "بتضحكي على إيه يا ولية يا شايبة، تلاقيكي بتقوللها نكتة من نكتك الأبيحة"
الجدة والمكابرة انفجرا في الضحك مرة أخرى من تعليق الأم العابر.
أعدت المكابرة كوبان من الشاي واعطت لجدتها كوبها قائلة: "يعني انت عايزاني اتجوز واحد يا ستي عشان بيظبطني في السرير؟"
الجدة: يا بت متبقيش حمارة، هو انا قلت كدة، أنا بقولك بس تفكري بشكل تاني في الراجل اللى عايزة تتجوزيه، وبلاش كلامكم الخايب بتاع الأفلام ده اللى مش موجود فى الواقع – دفعت الجدة حفيدتها من كتفها – قائلة:"وبعدين هو السرير ده حاجة بسيطة يا مايلة، ده كله بيبدأ وينتهي فيه" اتبعت عبارتها تلك بضحكة رقيعة لا تتناسب مع وقار مظهرها.
المكابرة ناظرة لنافذة المطبخ المطل على شجرة البونسيانا الحنون، مش عارفة يا ستي، حقيقي بقيت مش عارفة إيه الصح وإيه الغلط في موضوع الجواز ده!
الجدة: وهو ده اللي هايفضل تاعبك ومش هيريحك طول عمرك، يا بت ما فيش الكلام ده فى الجواز، الجواز فيه ده انا بحبه وده ما بحبوش، وفيه ده اللى اقدر استحمله وده اللى مقدرش عليه، لكن فلسفة وكلام مايل بقى، ده فى دماغكم الخربانة بس.
المكابرة: تفتكري؟
الجدة: أهم حاجة اللى تفتكريه مش اللى عشتي تسمعيه وتحفظيه زي الحمارة بدون تفكير.

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

يوميات فتاة مكابرة (11)




It's never too late !"



تجلس الفتاة المكابرة أمام حاسوبها  لتدرس أفضل عروض الرحلات، فقد قررت أن تزور كل المدن التي حلمت أن تزورها معه وحدها، قررت أن تذهب لبهجتها بنفسها دون إنتظار البهجة الملقاه من جعبته  الفقيرة، ضحكت بهيستريا وهي تفكر فيمن أحبتهم  وكيف أنهم من كانوا يأخذون ، لم تأخذ من أحدهم شيئًا.. أى شيء!.
هي ليست تعيسة كما تتخيل، فلديها الكثير لتفعله وتستمتع به، وقد قررت الإستمتاع، ستزور مدينة جديدة كل عام وترى أناس آخرون، وترقص على أنغام موسيقاهم، وتأكل طعاهم المختلف، وتجلس مع غرباء على مقاهيها.
تتعجب على تقوقعها كل تلك السنوات داخل صدفة أحزانها، ولكن حينما يشتد بها الحزن أكثر تقولها لنفسها بصوتِ عال:"It's never too late !"

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

يوميات فتاة مكابرة (10)


رسالة إلى صديق المكابرة



ربما يكون موقف ، ربما تكون نظرة، و ربما تكون كلمة هى اشارة مرورنا لقلب أو عقل أحدهم، وكانت الكلمة هى اشارة مرورك لقلب وعقل الفتاة المكابرة، أتذكر كيف اقتحمتك وبعثت لك برسالة وهى لا تعرفك لتقول لك أحسنت؟، أنت لم تسألها ولو مرة واحدة عما أحسنت فيه، واكتفيت بوصف رسالتها بأنها من الرسائل المحببة اليك!

ربما حان وقت الإعتراف، لقد رأت نفسها فيك، تتذكر حينما انهت رسالتها بتخوفها من أن تفعلها وترحل، كانت تتخوف من أن تفعلها هي أيضًا كانت تقول لك لا تفعلها، لا هي كذبت، كانت تقولها لنفسها، كانت تقول لك قاوم، هي كذبت ثانية، فهي كانت تضخ نفسها بالمقاومة، هى رأت مستقبلها فيك فخافت على القادم من الهزيمة.

لم تكن علاقتكما طويلة، أو حميمة، أو حتى متواصلة، كانت أشبه بالفلاشات السريعة التي تظهر فجأة لتهديك الطريق، تتفقان فى أشياء كثيرة وتختلفان فى أشياء أكثر ويظل كل منكما فى دربه، كانت تطل عليك دائمًا من بعيد لتطمئن على مؤشر مقاومتك (مقاومتها)، انت لم تعرف أبدًا أنها كانت تستمد قوتها من مقاومتك، كانت كلما رأتك تكتب تسعد من داخلها، لانك كنت تمرر لها رسالة – أنت أيضًا تستطيعين - ، قد تكون أدهشتك رسائلها الأخيرة الملحة فى لقائك، هي تعذرك لأنك لا تعرف أهميتك عندها، فلا تفجعها برحيل مهزوم، قد يدمر قشتها الأخيرة فى المقاومة.

تعرف..
هي تكتب لك الآن وهي جالسة على طاولة مطبخها، لا تدرى تحديدًا لماذا المطبخ، ولكنها تذكرت مرة في أحد الأفلام وكان البطل يسأل حبيبته لماذا تحب المطبخ؟ فأجابته:"مش عارفة.. يمكن عشان أدفى مكان في البيت".
ربما يكون نفس سببها أيضًا، فأنت أكثر من يعرف ما يفعله افتقاد الدفء في الروح، تتذكر الأسباني "خوان مياس" الذي ظل يشعر بالبرد طيلة حياته، حتى أنه احتفظ برماد والديه بجانبه طيلة حياته ليشعر ببعض الدفء!!
ولا عجب أن يكتب" في البداية كانت البرودة .. والذي شعر بالبرودة في صغره سيظل يشعر بها طوال حياته ، لأن البرودة في الصغر لا تذهب أبداً"

انت عرفت هذه البرودة وهي أيضًا شعرت ومازالت تشعر بها حتى الآن، لذا هى تكره الشتاء فلا يجتمع على روحٍ بردان!، بمناسبة الشتاء، كان لها حبيبًا قد وعدها بأنه سيصالحها على الشتاء ورحل هو وظل الشتاء!

هي لا تريد أن تسرد لك قصصًا دراماتيكية مؤثرة ولكنها تريد أن تذكرك بحواركما حينما كتبت عن هيمنجواي الذي أنهى حياته، ألم تلاحظ أن كلاكما ركز على نهاية هيمنجواى أكتر من تركيزه على فنه!!

لم يكن نقاشكما في قرار الإنتحار، انحصر نقاشكما فى أسبقية الإنتحار، فأنت كنت تذكرها بأنها ابنة الثلاثين ومازال أمامها الكثير، أما أنت فقد تخطيت الخمسين ومن حقك  فعلها أولًا !

ابنة الثلاثين ورجل الستين اختلفا فى العمر واتفقا فى اعطاء ظهرهما للحياة، وكأنهما غريبين يلتقيا كلما صفعتهما الدنيا في أعلى قمة لليأس ليدخنا سيجارتمها ويلقيا بها على هذا العالم القمىء.

أتدرى كم المرات التي حاولت فيها إنهاء هذ السخف؟ أتدرى أنها لم تعد تخاف مواجهة الرب وتظنه رحيمًا ولن يقسو عليها، ولكن المكابرة داخلها مازالت تقاوم  و ترفض أن تنهزم أمام هذا العبث بهذه الطريقة، فتظل تشحن روحها بكل طاقات النور كى لا ترحل بهذه المهانة، ولكن يحدث رغم ذلك أن تحتلها خفافيش اليأس فتتولى عجلة القيادة من يديها وتسلمها لموت بطىء.

تتداعى روحها حجرًا تلو حجر، فأضحت تستغرق وقتها في اختيار طريقة الرحيل، فهي توده رحيل مكابر، رحيل يليق بها، رحيل يشبه رحيل جنرالات الأدب اللاتيني، رحيل من يرتدى بزته العسكرية لينهي تلك العبثية بطلقة واحدة وهو بكامل هندامه.

اياك أن تبدأ معها حديثًا مبتذلًا عن الغد الأفضل والأمل الذي يدق الشرفات، لا أمل هناك ولا غدًا، كل ما هناك سلالة لا تنقرض من الأجلاف الذين يمرون على جثث الأحلام الخائبة.

هي تضحك وتشع طاقة على الجميع ولكن لا تغتر، فهى مازالت تنام كجنين مرتعد، وتدفن رأسها في ركبتيها لتبكى على أرضية مطبخها، هي وحيدة جدًا وحزينة جدًا، بل وأضحت تخجل من تلك الكلمات لإبتذالها ما بداخلها.


ماذا تريد من كل هذا الهراء الذي تكتبه، تريدك أن تقاوم، كي تجعلها تقاوم، هي تتشبث بك كقشة أخيرة للمقاومة، ولا أنكر أنها أحيانًا كثيرة تتمنى أن تنهار مقاومتك لتسرع لها بنهاية ترجوها لنفسها. 

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

يوميات فتاة مكابرة (9)




 موعـد مـع غـريب



طلب منها أن تكتب له ، وأومأت بالموافقة، الحق أنها لم تكن تعنيها، هي أومأت تأدبًا، وهو كان نبيلًا جدًا فلم تشأ أن تجرحه، هي وضعته فى قالب الغريب، لأنه كان كذلك، وهي لم تكن تريد أكثر من ذلك.

أرادت غريبًا تبوح له قليلًا، وأمتلك أدوات الغريب المثالي، جمعتهما تلك الصدفة التي يمكن أن تصنع لقاءًا عابرًا لغرباء يحتسون الشاى سويًا ثم يرحل كل منهما لطريقه.

قابلته في حفل موسيقي في ميدان تلك المدينة البعيدة عن وطنها، كانت وحدها ، وكانت تتمايل وتدب بقدميها على الأرض مع أنغام الجاز الطازجة، لعله ابتسم لها ولكنها لم تلحظ، لم تلحظه الا وهي تتسكع في الميدان الواسع بعد انتهاء الحفل مع انتصاف الليل، كانت تمشي متمهلة وهى تدخن سيجارتها بنشوة غريبة، فهي لا تريد لتلك الليلة أن تنتهي، ولا تود أن تتمدد في سريرها من الآن - تلك التي تنام عند العاشرة في وطنها لا تنام ابدًا في ذلك البلد البعيد، وكأنها تنتقم لكل أيام التعاسة التي أنامتها كل ليلة فى العاشرة حزنًا وقهرًا –  ترجلت في الميدان الواسع وهي تدندن وتدخن وتلف حول نفسها راقصة، وإذ به يخاطبها بإنجليزية متوسطة:"عذرًا سيدتي.. ولكن أرجو أن تنتبهي لنفسك صحيح أن البلد آمن ولكن هذا لا يمنع من الحذر".

انتبهت لوجوده وشكرته، واذ به يعتذر عن تطفله ويشرح تخوفه عليها منذ أن رآها في الحفل الموسيقى، وأضاف معتذرًا :" سيدتي ..لقد تصورتك مخمورة في بادىء الأمر فأنت كنتِ تترنحين مع الموسيقى باستغراق كامل"، ضحكت من تعبيره وسرحت لوهلة في ذلك الحزن الذي يوهمك من شدته وقسوته بأنك قد مت تمامًا الي أن تاتي لحظة حياة حقيقية – كتلك الحفلة الموسيقية – لتكتشف بأن الحياة تملأك ولكنها تتفجر مع أول إشعاعات البهجة.

النبل في عينيه أزال التوجس والتحفظ سريعًا منها، لذا حينما دعاها لإحتساء الشاى بأحد المقاهي المنتشرة بالميدان وافقت شارطة أن تدفع هي الحساب – أدركت منذ زمن بعيد أن دفع المرأة لحسابها يجنبها التورط في توقعات أحادية الجانب – ووافق الرجل الستينى الأنيق، وبدأ حوارًا دافئًا عن بلديهما وثقافتهما ولكنه لاحظ شرودها مع موسيقى الكمان المنبعثة من المقهى المجاور، فعلق :"يبدو أن السيدة تحب الموسيقى جدًا"، أجابت " إنها آلته المفضلة التي تمنى دومًا العزف عليها"، ابتسم ونظر لها  "يبدو أنك تتكلمين عن حبيبك؟" أجابت مقاطعة :"بل من كان"، ارتشف رشفة سريعة من شايه وقال:"حزينة لأنه ليس معك؟" أجابت :"بل سعيدة جدًا ! "، نظر لها مندهشًا ومتسائلًا لماذا؟" اسندت ظهرها على كرسيها وآخذت نفسًا عميقًا من سيجارتها وقالت:"لأن كل ما يحبه هنا، الجمال والهدوء والنظافة، والفن"، ووحدي أستمتع بذلك، أما هو فتناسبه وساخات وطننا الذي ما عدت أطيق الحياة فيه.

نظر لها نظرة حانية وقال:"ولكنك لا تستمتعين يا ابنتي"، اربكتها كلمة ابنتى تلك، فهو غريب وينبغي أن يلتزم بالنطاق الذي سمحت له به، ولكنها لم تتوقف عند كلمته وتجاوزتها معقبة في عصبية :"كيف ذلك؟"، قال :"كيف ستستمتعين  بشىء وأنت لا ترينه، انت لا ترين غير عيونه، فشهوة الإنتقام تعميكِي عن كل شىء، ضحكت ساخرة وهي تزفر بدخان سيجارتها في الجانب الآخر وتحدث نفسها بصوت خفيض:"تبًا لكل رجال الأرض.. غرورهم يجعلهم يظنون أنهم مركز الكون ومداره".

لاحظ ظهور تجاعيد العصبية على وجهها فاعتذر عن تجاوزه، فهبت واقفة تشكره على ذلك اللقاء، غير أنه بالغ فى الإعتذار بطريقة أخجلتها وجعلتها تجلس مرة آخرى.

أخذت سيجارة جديدة ونظرت فى الجانب الآخر غير ناظرة لوجهه وقالت :" ربما يكون معك بعض الحق أيها السيد، فأنا أود الإنتقام منه لأخر نفس من عمري.. فقد آذاني بشكل غادر ودنيء، أنا لا أحن له كحبيب أشتاقه، أنا أتوق لرؤية تعاسته وقهره كما أرينيهما"، نظر اليها مترددًا ثم قال:"لا أريد إزعاجك يا صغيرتي .. ولكن احذري شهوة الإنتقام تلك فبإمكانها أن تُفقدنا إنسانيتنا، ويمكن أن تصيبنا بسعار الدموع، اتعرفين ما هو سعار الدموع هذا؟" حركت رأسها نافية ، فأردف:"بعد كثير من الأذى الذي قد يصيبنا من الآخرين، وبعد زمن طويل من الإحتمال، قد يتحول الإنسان لوحشًا انتقامًا لمَ قد عاناه من قسوة وخذلان، إذا حدث له هذا التحول لن تشبعه غير الدموع سواء دموع من ظلموه أو دموع من قرر ظلمهم".

ثرثرتهما تزايدات وتزايدت معها مصارحات وضحكات ودموع تخللتها أكوابا كثيرة من الشاى، ثم اكتشفت أنها الرابعة فجرًا، فتركته مسرعة على وعد بالتواصل لتعد حقيبتها فقد تبقى على موعد مغادرتها ساعتين، وهي في طريقها لميناء السفر بعثت لصديقتها رسالة قصيرة تقول فيها "عائدة لغربة الوطن !"


الخميس، 12 سبتمبر 2013

بليغ حمدي



النهارة ذكرى الجميل المبدع الرائع حبيبي
"بليغ حمدي"

وده فيلم وثائقي عنه شوفوه وادعوله بالرحمة على كل الفن والبهجة اللى سبهالنا.





يحدث ...





يحدث أن تستيقظ بعد ليالي أرق طويلة وقد وجدت نصفك الأيسر قد خف ثقله.
يحدث أن تقلق .. أن تتسأل .. أن تتحسس مكان الجزء الشاغر وتقول أين رحلوا؟!
يحدث أن تنظر لنفسك فى المرآة لتجد ذلك الميل الذي كان يآخذ زاويته نحو اليسار وقد انتصب من جديد.
يحدث أن لا تصدق وتضع رأسك سريعًا تحت ذلك الرشاش الدافيء لتجد مياهه وكأنها تلدك من جديد.
يحدث أن تنظر لمرآتك مرة آخرى وتجد ابتسامة تتفلت لعودة ملامح وجهك الذي سافر معهم.
يحدث أن تحس الهواء وقد ملاء صدرك بعد غياب طويل.
يحدث أن تعود لقهوتك مذاقها.
يحدث أن تترك شعرك لنسائم الصبح الحنون لتهدهده.
يحدث أن ترفع يدك للسماء قائلًا:" لك الحمد على ما كان وما أصبح".
ولا يؤلمك أن  يحدث كل ذلك لرحيلهم من قلبك.

الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

زخات نهاية شتاء




سالكة طريق عودتى من عملى بالأمس بتجهم فتاة عاقلة ، وإذ بها تتحرش بزجاج نافذتى وتشاكسنى قائلة " مرحباً " ......

مرحباً أيتها العائشة فى دروب الخوف والحذر ، هلمى وافتحى نوافذ الروح فقد هطلت اليوم فى صحراءك الموحشة..

اضجرتنى جرآتها العابثة، فنظرت اليها غاضبة وأنا أُحكم نوافذى، فأخر ما احتاجه أن أبتل ثانية، وضربتها قسوة مسـّاحاتى وعاد الزجاج رائقاً من جديد.....

ولما هزمتها قسوتى راحت تشاكس زجاج آخر ففتح لها نوافذ روحه ومد يده بالخارج ليعانقها ويلهو معها، فتملكتنى الغيرة منهما وتذكرت أيامى معها وتذكرت كيف كنت اجرى تحتها لتقوم باهدائى شعر غجرية كان يناسب قلبى الفتى...

وتملكنى الحنين الخائن لقسوتى وأمسك عجلة القيادة وطرحنى جانباً واستسلمت له فى ضعف محبب لنفسى، وإذ به يدير أغنية حب هادرة ليستجلبها ثانية ، فنظرت إليه وأنا بجانبه مستكينة فى وداعة وضحكت وأشارت إليه ان يوقف سياط مسـّاحاتى لتعود ثانية، ففعل..

وفتحتُ لها نوافذ الروح بحذر فإذ بها تشدنى خارجاً وتقول هلمى لأعطيك شعر غجرية كان دوماً يليق بك ، قلت لها انا الآن فتاة من وراء حجاب وحجابى سيحمينى من زخاتك، قالت قلبك من يحميك وليس حجابك، فالغجرية فى قلبك مازالت تطلب التمائم التى تزين بها شعرها، وفكت عنى حجابى وشاكست قطراتها وجهى، ومشطت شعرى من جديد، وتمنت الغجرية بداخلى أن تلعب جيتاراً يشى إليك بأغنية حب تخاف المطر وتشتهيه....
-----------------------------------
القصة الفائزة بجائزة ساقية عبدالمنعم الصاوي للقصة القصيرة لعام 2011

الاثنين، 29 يوليو 2013

يوميات فتاة مكابرة (8)



مينا..
حاولتَ جاهدًا أن تعرف ما بي في الفترة الماضية دون جدوى، فكان الهروب هو طريقتي المفضلة في الرد، والآن حانت ساعة النزف أو ساعة البوح، لا يهم، بداية تعدى الأمر كوني لست بخير، فهذا الأمر مررت به كثيرًا وأظن أني سأمر به دومًا، الأمر هذه المرة خطير، لأني أشعر به وآراه رأي العين، فقد أصبحت معطوبة اليقين، نعم، يقيني بالأشياء هُزم تمامًا، لم أعد أثق بأحد ولم أعد أثق بشىء، ولكن رغم قسوة ذلك، إلا ان هذا لا يؤلمني لهذه الدرجة، وما يُفتتني حرفيًا هو كفري بعدالة السماء!!

لقد اجترأت على الله وأصبحت أنظر إلى السماء ساخطة وأنا أقول، أمازلت تقول بأنه ثمة عدل هناك؟ أنا لا أصدقك !، مصطفى كان يضع كلمات الغزالي عن محبة الله لعبده وإنه إذا أحبه ابتلاه وأبعد عنه الدنيا، وجدتني أنهره دون أن أدري، وأهزء مما نشره، لم أعد أصدق، فيقيني بالعدل الإلهي ذهب بلا رجعة، يقيني بنفسي وبما تبنيت طيلة حياتي يذهب أمام عينيا.

تهاتفني صديقة، وتبدأ معاتبتي على تقصيري في السؤال عليها، نهرتها وأغلقت الهاتف فى وجهها، يتكرر هذا الموقف وتتكرر ردة فعلي بصورة أكثر عنفًا وشراسة، لم يتبق حولي غير القليل، ولست حزينة، فيقيني بمحبتهم ضُرب هو الآخر، أصبحت أشعر أنها مصالح، فهم يبحثون عن الطرف الذي كنت أجيد آداء دوره، وهو المحتضن والداعم والمنصت، لايعلمون أن طاقاتي نفدت، ولم أعد أستطيع دعم نفسي حتى.

أصبحت أصلي وأنا جالسة على كرسي رغم أن جسدي ليس معتلًا، كلما صليت كلما شعرت بمصيبتي، فروحي لم تعد موجودة، لذا اصبحت أقصر في صلاتي وأكتفي بالفروض.

أعيش وسط من حولي كمريضة ذهان فأنا معهم ولست معهم، فنجلس جماعة كبيرة ونتجاذب اطراف الحديث، غير أني فجأة أجدني أنفصل عنهم بلمحة سيئة لشىء مررت به، فأكمل جلستي في الحمام كي لا يلاحظون بكائي.
لم يعد البكاء ذا جدوى بالنسبة لي، لم يعد يُفضي إلا لمزيد من وجع القلب.
قلبي يؤلمني جدًا يا مينا، أصبحت أضع يدي عليه بقوة كي لا ينفجر.

مينا..
كيف يكونون أخساء هكذا؟ كيف يتعايشون مع دنائتهم بتلك القوة؟
تمر علىّ صورهم، فأراهم غلاظ بلا مشاعر، أنكمش داخلي وأنا أرى تلك القسوة تخرج منهم دون عناء، كيف أحببت هؤلاء الأجلاف؟ ولماذا أمتلك تلك الجاذبية للرجال الحثالة؟

تعرف..
أنا التي لم أدعو على أحد في حياتي، أصبحت أرفع يدي للسماء لشيء واحد فقط، ليس لطلب الخير، فأنا فقدت اليقين بأى خير يمكن أن يأتيني، أصبحت أرفع يدي للسماء لأدعو عليهم بحرقة القلب، نعم يا مينا، أنا أصب لعناتي عليهم، ولن أسامحهم ما حييت، أتمنى أن أرى قلوبهم محترقة من الخذلان والقسوة، أتمنى أن يتحسسوا طعنات تأتيهم في ظهورهم وتظل تنزف بلا توقف.

ذهبت فى الأيام الماضية لتجديد جواز سفري، ولا تسألني لماذا، فأنا لم أخطط بعد لوجهة معينة سأرحل إليها، كل ما أحسه أني لن أستطيع المكوث هنا لعام آخر، أصبحت أكره مصر وأكره هواءها، فسمائها ضاقت علىّ، وهواءها يدخل رئتي عنوة، وناسها يؤذنني.


كل  ما بداخلي يا مينا هو الكفر والكفر وحده، أنا أدفن بنت عشتها 34 سنة لبنت آخرى لا أعرفها ولكني اريدها بدمي الآن، ربما لا تكون مثل تلك التي تعرفها الآن وربما تكون النقيض لها تمامًا ولكن لا تقلق سأعطيك الحق في قبولها أو رفضها ولن أغضب منك.

ملحوظة: لن افلت أى فرصة للهروب، ثق فى ذلك.

الجمعة، 19 يوليو 2013

يوميات فتاة مكابرة (7)


حديثٌ مع الفتاة القاسية


ربتت الفتاة القاسية على كتف الفتاة المكابرة قائلة: رائع! أنتِ تمضين بخطى ثابتة نحو الصواب.
المكابرة مبتسمة إبتسامة ساخرة: الصواب! وما هو الصواب في رأيك؟
القاسية: الصواب هو ما تفعلينه الآن في حياتك، وآخره تلك القصة التي كتبتها مؤخرًا (عنه).
المكابرة: كنت أكتب عن وعد وعدته إياه في أول رمضان لنا سويًا.
القاسية: وقتلتهِ وكفنتهِ ودفنتهِ على الورق، هذا رائع! وقد أحببته.
المكابرة: ولكنك لا تعلمين كيف فعلت ذلك.
القاسية: لايهم، المهم أنكِ قتلتهِ على الورق، وكسبتي أيضًا.
المكابرة: كسبت! كسبت ماذا؟
القاسية: كسبتي قصة جميلة عن وعد لن يعده أو يكتبه غيرك.
المكابرة: أنت عديمة الحس.
القاسية: لا بأس، ولكنكِ تحبينني، وتستمدي مما تُسمينه - عدم حسي -  قوتك المزعومة أيتها الناكرة.
المكابرة: لقد كنت أموت مع كل حرف أكتبه، فهذا كان وعدًا للحياة لا للورق والموت البارد.
القاسية: وهل أنا من نزعتك إياه؟! أجيبى.
طأطأت المكابرة رأسها مخفية وجهًا محتقنًا بالدموع وأجابت: لا.
القاسية: إذن، فلتمتني لدعمي إياكِ، ولا تتجاوزين.
المكابرة: تعرفين.. لم أصل بعد لقوة رؤية جزء مني يضيع للأبد وأنا مستسلمة هكذا، لا أستطيع منع نفسي من النحيب قليلًا بجواره، فلا تقسي عليّ.
القاسية: ذلك طبيعي.
المكابرة: أنا حزينة، أتحايل، وأدعي، وأكذب على نفسي ولكني حزينة.
القاسية: وهذا أيضًا طبيعي.
المكابرة: أنا لا أدفنه ولا أدفن أحلامي معه فقط، أنا أدفن جزء مني أيضًا، لذا فلتشعري بي.
القاسية: بالطبع أشعر بكِ، ولهذا قلت لكِ أن ذلك طبيعي، ولكنها مسألة وقت بعدها ستكونين بخير وأكثر قوة.
المكابرة: "بعدها ستكونين بخير وأكثر قوة!!!" حينما أسمع تلك العبارة من أحدهم فأنا اعلم يقينًا أنه يمرر لي رسالة ضمنية بأن أدع تلك القاسية تتولى الأمر، لأنه يخجل من التصريح بأني لا أصلح إلا للشفقة.
القاسية: أرآيتي؟ لا حياة لكِ من دوني.
المكابرة: بل لا موت لي بكبرياء من دونك.

السبت، 13 يوليو 2013

يوميات فتاة مكابرة (6)


نشرة أخبار الفتاة المكابرة


أسعد الله مساءكم،  مساءٌ جديد واحداث لا تنتهي، وإليكم عناوين الأخبار
على الصعيد السياسي:
-       رمية حجر تفصل الوطن عن الهاوية.
-       آكلوا الجيف يتألقون مع الأحداث.
-       الحالمون يغردون !

وعلى الصعيد العملي:
-       يومٌ مشغول ومحصلة بلا إنجاز.

أما على الصعيد الصحي:
-       يحرز الجسد تقدمًا ملحوظًا  لملاحقة تهلهل الروح.

وختامًا بالصعيد العاطفي:
-       أثبتت ضمدات القسوة فاعليتها حتى الآن.

كانت هذه عناوين النشرة وإليكم التفاصيل:
تتثاقل خطوات الوطن نحو الهاوية في محاولة أخيرة منه للنجاة، ولكن كل الطرق تنذر بالجحيم، هذا وقد كشفت المصادر عن نشاطًا ملحوظًا لآكلو الجيف لإصطياد جثة الوطن، وعلمت مصادرنا أنهم ينتوون مضاجعة الجثمان، وعلى الجانب الآخر، واصل الحالمون ضياعهم وتخبطهم في إيجاد طوق النجاة مع إستمرارهم فى التغريد بشكلٍ مكثف.

وفي انتقالنا من الصعيد السياسي إلى الصعيد العملي يمكننا القول بأنه ضجيج بلا طحين، فاليوم متخم بالتفاصيل التي لا تنتهي والمحصلة صفرٌ كبير، والجيد في الأمر أن الفتاة المكابرة توقفت عن الخوض في مهاترات الفرق بين الشغل والعمل، غير أنها مازالت تقاوم تحولها لثورٍ من ثيران الحياة الدائرين فى ساقيتها ببعض نقرات على لوحة حاسوبها للتواصل مع أشباهها.

وعلى الصعيد الصحي، أحرز الجسد تقدمًا ملحوظًا في سباقه مع الروح للفوز بلقب الأكثر تهلهلًا، غير أن الروح مازالت تحتفظ بمركز الصدارة، وتأتي أخبار أنين الجسد كطمئنة على مُضيه فى المسار الصحيح والمتوقع، بعد سنين من التشكك في ذلك إثر مقاومته العنيدة، .

وختامًا بالصعيد العاطفي، نجد أن ضمادات القسوة أثبتت فاعليتها الكبيرة في تسكين جروح القلب،غير أن مخاطر ضمور القلب من كثرة إستخدام هذه الضمادات مازالت قائمة، وتجدر الإشارة إلى أنه تم تحذير الفتاة المكابرة من تلك المخاطر، غير انها وقعت لامبالية بتحملها المسؤلية كاملة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 12 يوليو 2013

الإثم الأعظم





سألتها عن الإثم الذي يستوجب إعدام المحبين، فأجابت:"أى أثمٌ لحبيب أعظم من تمني محبوبه الموت في كل لحظة وهو بجواره؟!"

السبت، 6 يوليو 2013

يوميات فتاة مكابرة (5)



عن الأرض التي يرثها "أولاد القحاب"


تسمَّر الأقارب والأصدقاء أمام التلفاز في غرفة الاستقبال الكبرى، وكل منهم يدلي بدلوه حول ما يحدث، وقطع بيان الجيش(1) حديثهم، لنجده يعلن انتهاء دولة الإخوان(2) وبداية مرحلة جديدة في مسار الثورة(3).

هلل الجميع دعمًا وتأييدًا لقرار الجيش، ووحدها كانت تجلس معهم، ولكنها لم تكن معهم، فلم تسعد ولم تسخط على ما حدث، كان ما بداخلها هو الصراع، فهي ترفض فكر الإخوان وطريقتهم في الحكم، وترفض العسكر لمطامعه وكوارثه التي لم تنسَها بعد.

بدأ من حولها يتحدثون عن قوة الجيش وحزمه، وأهمية ضربه بيد من حديد لكل المنتمين لجماعة الإخوان، استفزها الحديث وشعرت بقسوة غريبة متخفية وراء تلك الآراء، صفعتها تلك القسوة حينما أدلت بدلوها هي الأخرى وقالت: "أنا لا أوافق على وقف القنوات الإسلامية بهذا الشكل، كان يمكن تحذيرهم أولًا بعدم إثارة الفتن، ومن يتجاوز تتم معاقبته بوقف البث، فلا بد من قانون، لأن سقوط القانون سيؤدي لفاشيَّة لا أقبلها"، وما إن أنهت هذه الجملة حتى واجهت الآتي:

قريب أول: ومن قال أن الفاشيَّة ليست حتميَّة في بعض الأوقات؟
قريب ثانٍ: إنه وقت الضربات الاستباقية، ولا بد أن تربك عدوك حتى ينهار.
أنا: عدوك!! هو مخالف سياسي لي وليس عدوًا.
الأم: كفاكِ رومانسية وكلامًا ساذجًا لا يؤدي لشيء، إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب.
أنا: هذه ليست رومانسية، هو شرف لا بد أن يحكم الخصومة، حتى لا نفقد إنسانيتنا.
قريب ثالث: الآن فقط عرفت لماذا لم تنجحي في حياتك، لا بد أن لهذا الكلام الساذج دورًا كبيرًا.
أنا: من قال إني لست ناجحة في حياتي! وبماذا يمكنني توصيف من يقول إن الكلام عن الشرف في الخصومة سذاجة؟!
قريب رابع: أنا لا أريد خطبًا حماسية، اذكري لي حربًا واحدة تم كسبها بالمثالية.
أنا: هي ليست مثالية.
الأم: أذكر لكِ أنا ما فعلتْه المثالية بكِ، كنتِ تتوقين منذ صغركِ لأن تكوني صحفية، ثم بذلتِ كل طاقاتكِ لتعملي بها، ووافقناكِ دعمًا ومؤازرة، ثم بعد عام واحد تركتِها لأنك لم تحتملي أن تري فلان الذي كنتِ تقدِّسينه وهو أفَّاق، وعلان الذي كنتِ تقدِّرينه متلون، وفضلتِ أن تنسحبي بدلًا من المواجهة، وتركتِ حلم عمركِ لضعفكِ الذي أسميتِه شرفًا.

أنا: هذا لم يحدث، لقد صُدمتُ بالفعل في أناس كثر كنت أحترمهم، ولكني انسحبت لأني شعرت أن براءتي ستضيع إذا أكملت في هذا المجال. هناك من يستطيع الحفاظ على نفسه وسط كل هذا العفن، أما أنا فلم أستطع.
الأم: هذا ما تقولينه لنفسكِ لتبرري ضعفك.

أنا: نحن كنا نناقش حدثًا سياسيًّا، ما الذي أدخل العام في الخاص الآن؟
الأم: نفس طريقتكِ في الهروب من المواجهة.
أنا: أنا لا أهرب من شيء.
الأم: تستطيعين أن تقولي لماذا لم تنجحي في الارتباط بأحدهم إلى الآن؟
أنا: أنا ...
الأم مقاطعة: أقول لكِ؛ لأنك تنتظرين فارسًا نبيلًا في وقت لا يوجد فيه كل هذا الهراء، من يوجد الآن هم رجال بضعفهم قبل قوتهم، زمن الفرسان هذا لم يكن موجودًا إلا في عقلك المحشو بنفايات الأدب والشعر.

قريب خامس مقاطعًا: دعكِ من حديث أمكِ وأجيبيني، لماذا تعيشين في عزلة بعيدًا عن البشر، بل إنكِ اخترتِ الكتابة، تلك المهنة المفارقة لتكون هويتك، لماذا؟
أنا: الكتابة، ربما تكون حلمًا بعالم أفضل، لمَ لا؟

الأم: ألم أقل لكِ، تعيشين في خيالاتكِ وعالمكِ الموازي لفشلكِ في معايشة الواقع، أنتِ محض أحرف تلهم البشر، وتعدهم بعالم أفضل، ولكنكِ لا تدركين أنكِ بذلك تصنعين لهم وهمًا يصدقونه ثم يقعون صرعى على أرض الواقع.

أنا غاضبة: لقد استغللتم ظرفًا سياسيًا لمهاجمتي بشكل غير إنساني وبشكل مغالط.
تركتهم وذهبت لغرفتها، وإذ بأمها وبقية أقاربها يصيحون: البقاء للأقوى، وكفاكِ حديثًا عن يوتوبيا لن توجد على الأرض، هذه اليوتوبيا يمكنكِ صنعها ببضع نقرات على حاسوبك، ولكن هذا لا يعني وجودها.


صمَّت أذنيها عن كل ما يقولون، وفتحت حاسوبها ونقرت عنوان قصتها الجديدة: "الأرض يرثها أولاد القحاب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيان الجيش المصري بعد أحداث 30 يونيو 2013
(2) فترة حكم الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمون
(3) ثورة 25 يناير 2011