الأربعاء، 4 يونيو 2014

إلى غادة (2)







تذكرت هذه الرسالة وأنا أرى أمي أول أمس تنزوى باكية في حديقتنا وتفعل نفس الشىء (تنثر السكر للنمل) ولكن هذه المرة اقتحمت عزلتها ولم تستطع انكار حزنها، قالت وهي لا تنظر لي:"النهاردة مولد الحسين والشيخ ياسين هينشد"، فابتسمت وتركتها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة.. 

كثيرون قالوا لكِ أنك جميلة ولكن هل أخبرك أحد أنك دافئة، وحنون، نجحتِ فى تقليم أشواك القنفد داخلي، ذلك القنفد الذي ينصب أشواكه للغرباء. 

قدرت لكِ ذكائك في احتواء ذلك القنفد الذي دعاك بالغريبة، فاقتحمته بضمة مباغتة ودعوته بالقريب، كانت ضربة موفقة منكِ، ولتعلمي تأثير دفئك معه ، ما عليكِ الا الإنصات لبوحٍ لم يبوحه لأحد، ولكن دعينا هذا المرة لا نتكلم عن شىءٍ محزن، دعينا نتكلم عن الحب !!!! 

أكاد أرى ابتسامة ، لا أعلم إن كانت ساخرة أم حزينة أم ماذا ؟ تعلو وجهك، ولكن لا بأس . 

سأبدأ مباشرة بالسؤال الذي أسأله لكل من احترمهم، لكل من يقاوم التحول لحيوان مادي بشع، هل أنا مخطئة فى إعتبار الحب أهم شىء في هذه الحياة؟ . 

هل أنا ساذجة في اعتبار الحبيب أهم رزق يرزقه الله لعبده؟ 

سأحتاج منك إجابة وافية، وسأبدأ بنفسي، نعم، الحب أهم شىء فى هذه الدنيا، ولا يوجد بالدنيا بهجة توازى بهجة الإنسان بمن يحب. 

فى الفترة القريبة الماضية، كنت في أبأس حالاتى النفسية، وكنت ألتجأ لأشياء مجنونة للبحث عن البهجة الغائبة.ففي أحد الأيام فوجئت بالبيان البنكي الخاص بي يبلغني أنه تم سحب مبلغ من ثلاثة أسفار فى خمسة عشر يوماً فقط، وقتها ثورت وتصورت أن أحدهم سطا على حسابي أو أن بطاقتي الإئتمانية قد سرقت، ولكن حينما هدئت تبينت أني من سحبت هذا المبلغ، لأني فى تلك الفترة أشتريت أكثر من 20 حذاء !! 

لا تتصوري أنني سفيهة في شرائي، أو أني أحتاج كل تلك الأحذية، أنا صدمت حينما وجدت غرفتي تمتلأ بتلك الأحذية التي أعلم يقيناً أني لن أرتدى منها سوى ثلاثة فقط! 

إنه الجوع للبهجة، والعطش لأى فرحة، حتى ولو بحلول تلفيقية كشراء أحذية أو ملابس، ولكن لكونها حلول تلفيقية لا تلبث أن ترحل بهجتها سريعاً. 

كلمتك عن أمي من قبل يا غادة، ووصفت لكِ كم هي صارمة وقوية، وربما تصدمين حينما أحكي لك كيف أني وجدت تلك الصارمة القوية فى أحد الأيام تجلس ساهمة باكية وهي تنقط حبات السكر لسربٍ من النمل في حديقة منزل أخي غير منتبهة لوجودي! 

ابتسمت حينما رأيتها بشدةَ! تعرفين لماذا؟ 

لأن أبي هو من كان يفعل ذلك، نهرني مرة وأنا طفلة وهو الهادىء الحنون حينما وجدني أقتل نملة، وأخذ بيدي وعلمني أن أنثر له السكر! كان جميلاً هذا الرجل، دعيني أحدثك عنه لاحقاً. 

الغريب أن أمي كانت تنفعل بشدة من تصرف أبي هذا، فهى لا تطيق أى حشرة خاصة إذا كانت فى منزلها! 

كانت ذات نبرة الصوت الحاد والآمرة تتحول لطفلة، وهي تهاتف أبي وتشكو له ثقل حِملها، لم أسمع شيئاً حنوناً من أمي مثلما كنت أسمعها وهي تقول "علي"(1)

تلك كانت أمي، دعيني أحكى لكِ عن أخرى، كان هناك إحتفالاً فى عملي، وكانت من ضمن المدعوات زوجة لأحد وزراء الخارجية المصريين الراحلين، واحترت فى أمر دعوتها جداً فالكل يدعوها باسمها الأول مقروناً باسم زوجها الراحل كلقب لها، وقلت فى نفسي سأرسل لها الدعوة باسمها هى بعيداً عن زوجها الراحل، وفوجئت ما أن وصلتها الدعوة وهي تتصل بي غاضبة بأنها شاكرة للدعوة ولكنها حزينة لفصل اسمها عن اسم زوجها!! 

هذه المرأة قد تعدت الستين، ورغم ذلك وجدتها تتحدث باسهاب دون كلل أو ملل عن "أحمد" (2) حبيبها كما وصفته هي، الذي سيظل اسمها مقروناً باسمه حتى موتها، ذلك على حد تعبيرها هي. 

قد تبدو تلك القصص أشبه بقصص حب المراهقين، ولكن تعرفين رغم سخرية الجميع من حب المراهقين، إلا أني اتعاطف معهم جداً لانه لا أصدق من حب المراهقين! 

لعلك قد اقتربتِ الآن من أسباب إيماني بالحب، وعدم كفري به رغم كل ما مر بي، فالحب هو تلك الألوان من حولنا، هو رائحة الأشياء، هو السبب الذي أراه كافياً لإستيقاظي في الصباح. 

البشر حينما لا يحبون يصبحون شائهين يا غادة 

حياة الحيوانات المادية غير مناسبة للجميع، وعرفت منذ البدء أنها لا تناسبني، فماذا عنكِ؟ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علي هو اسم أبي
(2) أحمد هو زوجها وأحد وزراء الخارجية المصريين الراحلين

لينك رد غادة على رسالتي : http://setelhosn.blogspot.com/2012/11/blog-post_15.html

هناك تعليقان (2):