الجمعة، 22 مارس، 2013

المجد للمتطرفين !!





تأكلني الرغبة منذ فترة للكتابة عن التطرف ، فالموضوع مثير وغني بالنسبة لي، وسأبدأ من المعني اللغوي للكلمة، فالتطرف، لغة، هو تجاوز حد الاعتدال أو الوسط، فيقال: تطرف فلان أي بلغ الطرف، والطرف هو منتهى الشيء ونهايته.

وهذا التعريف سيأخذنا مباشرة لبيت القصيد وهو أن المتطرف لا يعرف نقطة المنتصف، ولا فلسفة البين بين، فهو في داخله مقامر كبير، يلعب بورقه كله فى لعبة لا يقين فيها إلا إيمانه، ولكن ليس من الضروري أن يكون إيمانه سليماً، فمثلاً قد تجد الإرهابي الذي يحصد أرواح الآلاف كأي سفاح عتيد، يرى نفسه صاحب قضية، فأسامة بن لادن مثلاً يرى نفسه صاحب قضية، ويراه أتباعه بطلاً ومجاهداً وأسطورة، وأراه أنا وغيري إرهابياً!

ولكن رغم إقتناعي بوجهة نظري عنه إلا أني لا أستطيع إنكار إحترامي لفكرة المبدأ والصمود والثبات عليه في شخصيته، حتى وإن كنت أخالفه تمام الإختلاف.

ولعل تلك التركيبة النفسية للمتطرف هي ما دعت عالم كبير مثل الدكتور عبد الرحمن بدوي أن يقول في كتابه المميز "رابعة العدوية" ": " إن الإعتدال من شأن الضعفاء والتافهين، أما التطرف فمن شيمة الممتازين الذين يبدعون ويخلقون التاريخ"!!.

ونجد ان عبدالرحمن بدوي في كتابه يركز على خصلة التطرف داخل الصوفية، فهو يرى أن الإعتدال لا يمكن مطلقاً ان يؤدي إلى التحول الحاسم conversion فهذه الإنقلابات الروحية الكبرى إنما تقع دائماً نتيجة لعنف وإفراط ومبالغة في الطرف الأول المنقلب عنه، فعنف إيمان القديس بولس كان نتيجة لعنف إنكاره للمسيحية، وعنف الحياة التقية لدى القديس أوغسطين كان لازماً طبيعياً لعنف الحياة الشهوانية الحسية التي حَيّها قبل تحوله للإيمان، حتى رابعة ذهب إلى أنه لم يكن لها أن تتطرف في إيمانها وحبها لله إلا إذا كانت تطرفت من قبل في فجورها وحبها للدنيا!

ولعل أكثر ما أدهشني فى الكتاب أن عبدالرحمن بدوي يدعو صراحة إلى التطرف المطلق كل من يريد أن يكون خالقاً للقيم!!

الحق أن سر دهشتي يكمن فى أن كل ما سبق قوله كان يمثل قناعات طالما أمنت بها دون يقينية فى سلامتها، ولكن أن يأتي من هو أعلم وأقدر مني ويُنَظر تلك القناعات لتبدو شيئاً حقيقياً فكان لابد لي من وقفة.

وفي هذا الصدد أود أن أضيف جانباً آخر لم يتحدث أستاذنا عنه ولكنه لا يقل أهمية، فالمتطرف وإن احتفى به بعض الأدباء والعلماء إلا أنه فى الواقع شيء آخر، فالواقع آخر من يرحب بالمتطرفين، بل وربما هو من صبغ اسمهم بتلك الصبغة السلبية المرفوضة.

فالواقع صديق قريب وعزيز لكل المعتدلين، فهو وإن احتفى بقفزة صائبة لمتطرف الا انه لا يتورع عن سحقه وتحطيمه إذا فشل بقيم الإعتدال والتفكر والتروي، ولعل أبرز الأمثلة فى ذلك الشأن نجدها فى الفن، ففنانة متطرفة الفن والموهبة كسعاد حسني يمكن للواقع أن يحتفي بها إذا غامرت ونجحت بفيلم مثل زوزو، ولكن هذا الواقع سحقها ولم يرحمها عندما غامرت بالعمل مع هواة فى فيلم "درجة ثالتة" وفشل!

حتى حياتها الخاصة كانت مثالاً سافراً لهذا التطرف، فتطرفها في حب ما تعمل لم يجعلها تنتبه لتأمين أى جانب آخر فى حياتها، فأصبح الفن وحده محتلاً لكل المساحة، لذلك عندما انسحب الفن منها انزوت وعاشت حياة الإعتزال والموت، الى أن ماتت بمأساوية تناسب تلك الحياة المتطرفة!

وتلك الكامب ديفيد المخزية لم تذبح الا كل من تطرف فى حبه لهذا الوطن، فالمعتدلون وجدناهم يفتحون حقيبة القيم المرنة التي تتحدث عن المقاومة ذات الحدود والسلام الذي هو ضرورة، والوقت الذي يفرض معطياته، وبقى اولئك الخائبون يتحدثون عن اللا رجعة واللاتصالح، الى أن نهش السرطان أرواحهم قبل أجسادهم، ففقدنا الجنوبي(1)، وفقدنا صانع البهجة الذي أسرف فى ذرع الإبتسامات على وجوهنا، ولم نستطع أن نثنيه عن رحيل إرادي كنا نحسه وهو يقول ، أنا ضاعت مني حاجة كبيرة .. اكبر من انى اجيبلها سيرة، ورحل.(2)

تلك أمثلة قليلة لمتطرفينا المبدعين، وإذا أردت المزيد حتماً ستجد، هنا وهناك، وفى كل مكان، ستعرفهم بسيماهم، ولن تخطئهم عينك، وأن أخطئتهم عينك لن يخطئهم قلبك، فالمتطرف رغم سمعته السيئة وسط مجتمعات تعشق المنتصف المريح، إلا ان دائماً ما تجده مصدر إلهام لمن حوله، فالكل ينظر إليه بانبهار ويخشى محاكاته، لان محاكاته مدفوعة الثمن، ولأن معظمنا يريد تلك المغامرة التي تآخذه من تفاصيل يومه الرديء وتحلق به في الآفاق وتمسح عن الروح ذلك العطب والخمول، أقول معظمنا يريد ذلك، ولكن قلة منا هي من تقامر بدفع الثمن، لذا سيظلوا يحلموا وسيظلوا آمنين، ولن تطأ أقدامهم أرض رغباتهم يوماً.

لعلك تتسأل الآن لماذا أعطيتهم المجد ولماذا هللت لهم، وهم أناس يتجنبهم الجميع ويحذر من شططهم الجميع، أقول لك ربما لهذا السبب، ربما اقتص لهم من مجتمعات البين بين، ربما اربت على أكتافهم بربتة تقدير يضن بها عليهم أصدقائنا المعتدلون، ربما اعطيهم نصراً افتراضياً سخطاً على إهانة الواقع لهم، فربما تكون انبهرت بما كتبته عنهم، ولكن تذكر أن الواقع يسحقهم بلا رحمة، ولا يغفر لهم تطرفهم.

ولكن أتعلمون، حتى وإن اختلفت مع قناعات بعض المتطرفين إلا اني أحترمهم للغاية، فهم لم يحبوا كما يحب الآخرون، ولن يخلص أحد لما يحب كما يخلصون، لذا كنت دوماً أقولها ومازلت " إن قُدر لي أن يكون لي ابناً يوماً ما، سيكون أول ما أعلمه اياه أن يتطرف في حبه ما وسعه التطرف وأن يخلص حتى لخيانته!!".

فأنا قد أقبل أن يكون ابنى أبو جهل ولكن لن أقبل أبداً أن يكون عبدالله بن أبي سلول...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشاعر العظيم أمل دنقل
(2)الفنان الرائع صلاح جاهين

هناك 4 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. اعتقد ان اكثر ما تعاني منه مصر الآن هو التطرف لرأي او عصبة او فرقة او مذهب او جماعة بلا ايمان حقيقي بمبادئها او ايمان لا يقبل للاستماع للرأي الآخر
    تطرف الاولتراس فقتلوا ذويهم
    تطرف الأخوان فحطموا المنصة
    تطرف الليبراليين فاصبحوا لا يقبلون قرارا حتى و ان كان صحيح من السلطة
    ابن بلدتي امل دنقل رحمه الله , و المبدع صلاح جاهين رحمه الله تطرفا في حب البلد و حب الشعب و هو تطرف مختلف عما اقصده
    لن يكون ابنك عبد الله بن سلول في هذا الزمن لأنه زمن مختلف و مختلف جدا
    لم يصبح هناك سلطة تنافقها و معارضة تهاجمها
    فهيبة السلطة سقطت مع الثورة بالتالي اصبح هناك تعصب فقط
    اما للاسلام السياسي او الليبرالية و بينهما مات الشعب الذي يشبه صلاح جاهين و امل دنقل

    ردحذف
  3. رائعة بكل المقاييس، فسرت لي الكثير

    ردحذف
  4. كل سنة وانتِ طيبة .... عيد سعيد عليكي وعلي كل الاهل والاحباب :)))

    ردحذف