الجمعة، 13 يونيو 2014

سلام مني لبغداد..







كان التاريخ هو بداية مارس لعام 2003، وأنا أرى أبي يدخن بشراهة وهو يتنقل بين القنوات الإخبارية المختلفة لعله يجد بارقة أمل في أن أمريكا لن تغزوالعراق، أتذكر ملامح التعاسة وهي ترتسم على وجهه المبتسم دائماً في ذلك الوقت، وأتذكر كيف قطع صمتنا ملوحاً بيده في غضب ونحن في سيارته في طريقنا لبلدته قائلاً: "معظم هذه البيوت الجديدة من خير العراق، أتحداكي أن تجدي عائلة فى هذه البلدة لم يسافر أحد أبنائها للعراق"، ويواصل كلامه غير عابئاً بردة فعلي، " العراق ليست كبقية دول الخليج، العراق ارض حضارة"

بدأ أبي السفر للخليج منذ منتصف السبعينات، وقضى معظم سنوات عمره هناك، ربطته علاقات صداقة برجال من كل الجنسيات، فهذا الوقت كان وقت الترحال لمعظم أبناء الوطن العربي وكان مرفأهم هو الخليج بدوله المختلفة، كان أبي يميز العراقيين عن غيرهم من أبناء الخليج العربي بالثقافة والوعى والفخر الأصيل بحضارتهم، لذا كان موضوع غزو العراق شديد الصعوبة على نفسه، كان يتمتم دائماً " إذا غزا الأمريكان العراق فتلك هي البداية" وكنت حينما أشاكسه بأن أمريكا حسمت أمرها وستغزوهم عاجلاً أم أجلاً، كان يتركني غاضباً وصائحاً " اللهي ما أشوف اليوم ده".

وأبره الله في قسمه، ومات فجأة عند انتصاف مارس، وكفتاة تصف نفسها دوماً "بإبنة أبيها" فقد كانت الضربة قاصمة عرفت هدفها بدقة متناهية، واستغرقتني ضربتي في أبي أيام كثيرة بعدها لاأكاد أصحو حتى أنام من جديد (النوم سلاحي مع الضربات التي لا تحتمل يقظة وإدراك)، إلى أن آتى هذا اليوم وجدت نفسي أصحو بعيون منتفخة وشعر هائش من جراء النوم الطويل الحزين لأتسمر أمام التلفاز أشاهد معشوقته بغداد وهي تسقط، لا أعرف كم البكاء الذي بكيته وقتها، حتى أني حينما أفكر الآن أتسأل هل كنت حينها أبكي بغداد أم أبكي أبي؟

الحق كنت أبكي كلاهما، أنا لا أستطيع أن أتكلم كلام كبير منمق عن العروبة والحلم العربي وما إلى ذلك، وحتى لو كنت أعرف فلن أفعل، ولكن أنا كنت أبكي ذاكرتي، فأبي كان حكاء كبير، كان يشاركنا كل تفاصيل حياته بالحكي عن من آتوا ومن رحلوا في حياته، عن معاني.. عن بلاد..، والعراق كانت جزء من الحكاية، العراق كانت صديقه الذي تعرف عليه صدفة في دبي حينما ساعده في استرداد جواز سفره المفقود، العراق كانت حكاويهم في المساء عن مصر وناصر ونخيل العراق ونيل مصر، العراق كانت أصدقائه الذين كانوا يزورننا حتي بعد استقرار كلّ بوطنه، وحتى بعيداً عن أبي فالعراق كانت دروس التاريخ المحببة لنا كانت الحضارة العباسية ، العراق كانت الرشيد والمأمون، كانت المتنبي ، كانت الإمام الأعظم...


أكتشفت أني لم أكن الوحيدة الحزينة على العراق، فلا أنسى صاحب السوبرماركت المجاور لسكن أختي الذي كان يحكي لها أنه كان ضابط عراقي، واخيه الذي كان يساعده كان طبيب!، كانت تقول لي " كنت أتجنب الدخول معه في أحاديث جانبية، كي لا يوجع قلبي أكثر، فرؤية الكريم مهان صعبة جداً"

كان شعورنا بالعراق يختلف عن شعورنا بفلسطين، ربما لاننا لم تكن لنا ذاكرة بفلسطين فنحن نشأنا على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لذا ذاكرتنا عن فلسطين ذاكرة تاريخية لم نتلمسها في حكايات من آبائنا لم نندمج مع شخوصها، لكن العراق كانت ذاكرة حاضرة لنا ولآبائنا، كانت جزء منا حلمنا الا ينهار وشاهدنا هزيمتنا فيه على شاشات التلفاز!

ما الذي جعل كل هذه الذكريات تتقاذف لذهني اليوم، ربما لان اليوم هو 9 أبريل تاريخ سقوط بغداد على يد العرب قبل أمريكا ربما..

ربما أردت أن القي السلام على بلاد الرافدين.. ربما وودت أن أبعث برسالة حب وآلم لعراقنا ربما..

كنت أردد صباحاً أبيات لست واثقة من صاحبها، ربما كان المتنبي لا أعلم :

بغداد تصرخ والأعراب يشغلها .......... حكم العبيد بعيد العزّ والكرمِ

يا روح دجلة للأرواح مالكةٌ.......... تبكي عليك عيونٌ قلّ ما تنمِ

تبكي عليك عيونٌ غاب بؤبؤها.......... وذي سيوفٌ لطعم الطعن تلتهمِ

تبكي عليك عيونٌ ذبن من أرقٍ.......... وبي عذابٌ بريح الغدر من دَلَمِ

فالذلّ يظهر في الذليل ودّته.......... وسادة المسلمين الأعبدُ القُزمِ

أغاية الإسلام أن تحفوا شواربكم ؟.......... وا أمةً ضحكت من جهلها أممِ

إنا لفي زمنٍ فعل القبيح به .......... خيرٌ من البيض مثل العذر واللممِ

مالي رأيت صروف الدهر تغدر بي.......... قد كنت سيدها في العرْب والعجمِ

لا تشك للناس جرحاً أنت صاحبه.......... شكوى الذبيح إلى الغربان والرخمِ

لا تشك للناس جرحاً لا تشمته.......... شكوى الأسير إلى القضبان و الظلمِ

ختاماً سلام مني لبغداد...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتبهوا لدعواتكم، فقد دعى أبي أن يموت قبل غزو العراق، وقد حدث قبل الغزو بأيام قليلة

هناك 10 تعليقات:

  1. مساء الغاردينيا
    لو تعلمين كم تأملت حكايات والدك ونسيت ألم العراق لسبب واحد أن ألم فقد الوالد مؤلم جداً ولكن عزائنا أن ذكرياتهم لاتموت وحكاياتهم تبقى في الذاكرة "
    ؛؛
    ؛
    رحم الله والدي ووالدكِ وأسكنهما فسيح جناته وحفظ الله العراق ومصر وشعبهما"
    ؛؛
    ؛
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    reemaas

    ردحذف
  2. كلّ يغني على ليلاه ريماس

    رحم الله أبائنا جميعاً
    وأعز الله العراق

    ردحذف
  3. انفرط العقد ياصديقتي
    اعتقدنا ان القدس هي البدايةوان بغداد هي النهاية
    وكنا مخطئين كليا
    ...لم تكن بغداد نهاية الطمع بل ان الجسد العربي كله اصبح قيد العقد المنفرط
    لابد ان نترحم على كل شئ ...كل شئ
    امتنا وعروبتنا وحضاراتنا ومبادئنا ...وعلى اجدادنا وامومتنا ..واباؤنا ايضا
    نعيش اموات في مقبرة الوطن العربي
    مدفونين في اوطاننا احياء
    لله الامر من قبل ومن بعد
    تحياتي عزيزتي

    ردحذف
  4. الله يرحمه
    ويسكنه فسيح جناته


    البقاء لله وهو القادر على بقاء سمعتنا بين البشر
    وقادر على بقاء بلاد وان ذهبت فى ايدى المحتلين


    انا ولدت فى بغداد لكن لا اذكرها الا فى قلبى فقط فلها مكان وحنين

    ربنا يهون ويطيب قلوبنا ويعيد لنا اللى راح من بلادنا


    دمت بخير

    ردحذف
  5. الفقد هو فلسفة الحياة
    كل يوم تضن الحياة الا ان تأخذ منا شيئا ما
    يمكن ان يكون حلما او شعورا او حبيبا او ابا او وطنا او كرامة او حتى زمنا
    تمضي في حياتك و يتساقط من جيبك المثقوب شيء ما ثروتك التي معك تتناقص مع الوقت حتى صرت بلا ثروة ذليلا مهانا شحاذا عابرا للسبيل داخل وطنك الذي لم يصبح وطنك بل صار موطء أقدام غيرك تماما كوجهك المعفر بتراب أحذيتهم
    ذكرى سقوط بغداد هو ذكرى الغبار الذي تعفرت به أقدام حكامنا العرب و هم يقبلون أحذية الأمريكان و يسخرون لهم قناة السويس لتمضي فيها بوارجهم و أراضيهم كي يتخذونها قواعد و سمائهم كي تحلق فيها نسورهم الجارحة الجائعة لقلب طفل صغير كان في يوم من الأيام أناديه باخي او ابني
    لعنة الله على كل الحكام العرب الذين شاركوا في تلك المهزلة

    ردحذف
  6. ٍشيري
    ..........

    نعيش اموات في مقبرة الوطن العربي
    مدفونين في اوطاننا احياء
    انجزتي والله

    ردحذف
  7. رؤى
    ........
    أدعي للعراق كثيراً

    ردحذف
  8. مصطفى
    ..........

    لعنهم الله جميعاً، دايماً تحدفني بكلمة كدة وانت ماشى يا مصطفي

    "الفقد هو فلسفة الحياة"

    الله يسامحك

    ردحذف
  9. من بنت أحمد إلى بنت علي
    أشجيتِني.. كل الأشياء تهون
    http://unique100.blogspot.com/2011/06/blog-post_02.html

    ردحذف
  10. افتقدت هذا القلم العَبِق :)
    رحمة الله على والدك .. وعلى أواطنٍ اصابها العطب!

    ردحذف