الأحد، 4 مارس، 2012

عندما يتوقف روبوتك الداخلي ليعلن "ان كفى"


عندما يعلن الروبوت الذي بداخلك العصيان والتمرد فلا تنهره ولا ترضخه على ما تمرد عليه لأنك ستكون الخاسر، من بضعة أيام اعلن هذا الروبوت داخلي العصيان، وتمرد على كل شىء بدءاً من عملي لنوع طعامي وحتى لساعات نومي، وآخر ما فعله هو وقوفه في منتصف الأسبوع ليعلن لن أعمل بقية الأسبوع وسأسافر وسأرتدي ملابس هى العكس والنقيض لما ارتديه فى يومي الطبيعي، واستسلمت رغم صعوبة ذلك، فالأجازة من عملي أضحت مستحيلاً رابعاً، ولكن رضخت لأمره لأني كنت أعرف أني إذا قاومت سأنهار كلية.

اعددت حقيبة سفري فى المساء واكتشفت ان ليس لدى حذاء رياضي، فكل ملابسى من فترينة الرسميات الخانقة، استعرت من اختي حذائها، ودونت فى عقلي انى أحتاج حذاء رياضي، ورغم سفري فى الصباح الباكر الا انه سهر حتى مشارف الصباح رافضاً النوم ولم احاول ان أكون امه الرؤوم الناصحة تركته يصنع ما يشاء.

اصطحبت معي احبتي القليلون، وتركت حاسوبي المحمول بكل ما يحمله لي من كآبة لا اريد لها مكان في رحلتي، ورغم نومي اقل من ثلاث ساعات الا اني استيقظت نشطة، ولم تثنيني احباطات امي وقلقها اللانهائي من الطريق الصحراوي هذه الأيام، كما لم يثنيني سوء الجو في ذلك اليوم، فالرياح كنت اشعر بها تكاد تطيح بسيارتي من شدتها، واستمرت على هذا النحو مسافة اكثر من 100 كيلومتر، لم يوقفني غير رؤية حرف "الإم" المحبب لنفسي، فهو يشير إلى مقهاي المفضل حتى في غير أوقات السفر، نزلت لآخذ قهوتي في "ماستر" بكل ما يحمله من ذكريات حميمية، فقد استوعبني هذا المقهى كثيراً وانا فى حالات هروبي المستمرة من كل ما حولي، وبعدما فرغت من قهوتي كفتاة ناضجة اصطحبي ابن اختي لأرجوحته ضاحكاً "اتمرجحي معايا" لم افكر كثيراً ولم احسب شىء ركبت معه الأرجوحة ونحن نضحك بهيسترية، وتأتي مفارقات القدر الساخرة أن يطلبني مكتب وزير الخارجية وأنا أترنح على الأرجوحة لإبلاغي شىء يخص العمل، واذ بي استعيد بعض من وقاري الذي تركته على بوابات القاهرة لاستطيع الرد عليهم!!


في النصف الثاني من الطريق بدأ المطر ينهمر بشدة وبدأت أخاف، فالأسكندرية دوماً تخذلني في الشتاء، فما ذهبت مرة للأسكندرية فى الشتاء الا وضربتنى سياط الوحشة والحزن بلا رحمة، ولكن لا أعلم شىء ما بداخلي كان يقول لا ستكون طيبة هذه المرة ولن تقسو علىّ فلا يجتمع على قلبٍ حزنين او هكذا أحلم!


عندما وصلت وجدت الأسكندرية ممطرة ودافئة ولكنها ليست حزينة، تركت حقائبي وتحررت من سيارتي وارتجلت من سيدي بشر حتي سابا باشا ولم أشعر بتعب، كنت انظر للبحر وهو ثائر وهادر وجميل وابحث عن مقهى له مواصفات خاصة، فأنا أريده ان لا يحرمني حميمية مشاهدة البحر والوجود بقربه وفى الوقت نفسه اريد به شىء يقيني البرودة الشديدة التي تهب فجأة، ووجدت ضالتي في سابا باشا فالمقهى أنيق ذو خيمة عاجية جميلة ولم يكن به أحد سواى، اخذت قهوتي أمام البحر الهادر واذ بها تمطر من جديد لتنساب قطرات المطرعلى نوافذ المقهى كخيوط فضية رائعة، لا أدرى من أين أتى السلام داخلي وقتها، حقاً لا أعلم فقط وجدتني أخرج من المقهى مبتسمة وقطرات المطر تتساقط على رأسي بمشاكسة، حتى مشيتى وجدتها تصطبغ بطفولية غريبة، وانا امشي بمحازاة البحر اتت ذكريات من كل مكان ولكنها لم تكن محزنة، فاحياناً كان يشد عيني اسم مقهى جلست فيه مع اصدقائي من قبل، وهذا بائع الفطائر المحلاة الذي كنت وأبي نأكل عنده...و...و اشياء كثيرة حدثت ولكن ما أعلمه ان الأسكندرية هذه المرة كانت أم حنون ولم تكن موحشة كحال أيامها في هذا التوقيت من العام.

شىء ما شعرت به بشدة وهو رفضي الداخلي لضياع أى لحظة من يومي، فما أن نفطر حتى نخرج للمشى وما ان ننتهي من المشى حتى نذهب لاحد المقاهي، وما ان نخرج منها حتى نذهب الى اكتشاف اماكن جديدة، لهث لهث وراء الحياة وراء كل لحظة تظنها سعيدة، لهث وراء كل ثانية من عمرك وكأنها الأخيرة، فأنت تشعر انك ضيعت الكثير فيما لا يستحق وجاء وقت ان تكون أولوية ذاتك.

استيقظت من نومي واذ بي أمشى كرجل آلي إلى المطبخ لأخذ اى فاكهة قبل اخذي لمسكن الصداع الذي أصحو وأنام به، ولكن ما أن توقفت امام الثلاجة حتى أدركت أني لست أعاني من الصداع كعادة يومي كما اني لا أريد أن أفطر فاكهة، حتى البرد الذي يمكننى التقاطه من بعد اميال لم أخذه وانا اتعرض لهواء شديد البرودة يومياً وامشى تحت المطر بشكل دائم!!

انها الروح التي تنتعش فتكون حامية لك من كل آلم وهي الروح أيضاً ان تألمت جعلتك عجوزاً وان كنت في العاشرة !

كنت في حاجة لهذا الحضن للنفس، فقد قسوت عليها كثيراً ان رتبت حياتي دائماً على أولويات واحتياجات الآخرين، ولأول مرة أكن أولوية لنفسي، لأول مرة أقول للعالم فلترتب مفكرتك على أولوياتي أنا، فقد كنت أفتقدني كثيراً !!

هناك 7 تعليقات:

  1. كم هو رائع ذلك الاحساس الذي تكتشف فيه نفسك و يعود اليك جزء منك افتقدته
    كم هو رائع ان تشعر بالسلام النفسي الذي يعيد اليك صفاء الذهن بعيدا عن ضغوط الحياة القاتلة
    دوما هناك بداخلك روبوت يتغذى على روحك الطاهرة حتى يحيلك في النهاية لشبح بلا شعور تمرد عليه او اقنعه ان يدع روحك لتحظى و تفهم ماهية الحياة و جمال الدنيا
    أبدعتِ بحق
    في منتهى الروعة
    دمتِ مبدعة

    ردحذف
  2. صدقت مصطفى هناك دوماً روبوت يتغذي على أرواحنا.. دوماً موجود

    ردحذف
  3. حمدلله على السلامة صديقتي الغالية
    لا تغضبي مني ان ربّت ُعلى كتف روبوتك الامين وقلت له :( لا بأس !!!)
    ***********
    تعلمين وفاء ؟؟
    اكتشفت من خلال كلماتك ان الشخص الوحيد الذي لا يقبل منك الاعتذار هو ( انت ) !!
    فنحن نضغط على انفسناونسئ اليها بطريقة لا ينفع معها التعذر فيما بعد ومع الوقت نخسر ذواتنا ونتبخر في سماءالحزن والعجْز والعجَز ..
    وكل ذلك من أجل إرضاء الاخرين...
    الان كفى !!
    ومرحبا ياأنا ....
    ولو قليلا

    تحياتي صديقتي الغالية
    وعود راااااااائع

    ردحذف
  4. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  5. لا بأس يا شيرين لا بأس

    ردحذف
  6. كم اتوق الى براح كهذا , أكون فيه نفسي مرة أخرى ! هنيئا لكٍ تمرد ربوتك الداخلى و يارب العدوى تنتشر :) !
    متأخرة جدا على قراءة بوست كان لازم ابتدي به اليوم , كانت هتفرق !
    وش بيضحك

    ردحذف
  7. يالا يا هدير اعتبريها دعوة للتمرد :)

    ردحذف